الخامس: ان سليمان قال: (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) .
وظاهره يقتضي أن يكون ذلك المعجز قد أظهره الله تعالى بدعاء سليمان ..
فهذا ما يتعلق باشتغال سليمان عليه السلام بتقرير التوحيد والنبوة، والله أعلم.
واعلم أن عيسى عليه السلام أول ما تكلم شرح أمر التوحيد، فقال: (إني عبد الله) . وشهادة حاله دالة على صدق مقالته، وهذه الكلمة الواحدة كانت جامعة لكل المقاصد.
أما دلالتها على التوحيد فإن إنطاق الطفل فِي زمان الطفولية لا يتأتى إلا من الإله القادر على كل المقدورات.
وأما دلالتها على النبوة ففي دلالتها على
براءة أمه من طعن اليهود: فإنه لا يليق بحكمة الحكيم تخصيص ولد الزنا بهذه الرتبة العالية والدرجة الشريفة .. ثم إنه عليه السلام بعد هذه الكلمة الوافية بتقرير كل الأغراض انتقل إلى بيان الشرائع فقال: (آتاني الكتاب وجعلني نبيا) .
وأما محمد صلى الله عليه وسلم فاعلم أن اشتغاله بتقرير دلائل التوحيد
والنبوة والمعاد أظهر من أن يحتاج فيه إلى مزيد تقرير.
وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان مبتلى بالرد على جميع فرق الكفار:
فالأول: الدهرية، الذين كانوا يقولون: (وما يهلكنا إلا الدهر)
والله تعالى أبطل قولهم، فإنه خالق الدهر والزمان
والثاني: الذين ينكرون القادر المختار والله تعالى أبطل قولهم بحدوث أنواع النبات، وأصناف الحيوانات، مع اشتراك الكل فِي تأثير الطبائع والأفلاك.
والثالث: الذين أثبتوا شريكاً مع الله وذلك الشريك إما أن يكون علوياً أو سفلياً.
أما الشريك العلوي فمنهم من أثبت أن ذلك الشريك هو الكواكب، والشمس والقمر، والله تعالى أبطلهم بدليل الخليل، وهو قوله: (لا أحب الآفلين) . ومنهم من قال: هو النور والظلمة، والله تعالى أبطله بقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) .