ثم قال: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ) . وموسى عليه السلام قال: (ربكم ورب آبائكم الأولين) . ثم قال: (رب المشرق والمغرب) . ثم عكس سليمان هذا الترتيب، فقدم دلائل السماوات على دلائل النفس فقال: (الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .
فاعلم أن موسى وإبراهيم عليهما السلام كانت مناظرتهما مع من يدعي إلهية البشر. فإن نمروذ وفرعون كل واحد منهما كان يدعي الإلهية، فلا جرم ابتدأ إبراهيم وموسى بإبطال الإلهية للبشر، ثم انتنقلا إلى إبطال الإلهية للأفلاك.
وأما سليمان عليه السلام فإنه كانت مناظرته مع من يدعي إلهية الشمس، فإن الهدهد قال: (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) . فلا جرم ابتدء بذكر السماوات، ثم ذكر الأرضيات.
ثم إن سليمان عليه السلام لما تمم دلائل التوحيد قال بعدها: (الله لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) . والمراد: أنه لما بين افتفار السماوات والأرض وسائر الأفلاك إلى مدبر خالق، ذكر بعد ذلك أن كل ما كان فهو مخلوق ومربوب، سواء كان عظيماً أو صغيراً، فقال: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) . فهذا مقام سليمان عليه السلام فِي تقرير دلائل التوحيد.
وأما المقام الثاني [هو] فِي تقرير دلائل النبوة فهو قوله تعالى حكاية عنه: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ(38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ).