أن موسى عليه السلام لما ادعى الرسالة عند فرعون قال له فرعون: (وما رب العالمين) .
يعني أن رسالتك متفرعة على إثبات
أن للعالم إلهاً، فما الدليل عليه، ثم إن موسى عليه السلام لم ينكر عليه
هذا السؤال، بل انشغل بذكر الدلائل على وجود الصانع، فقال:
(قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) .
فاستدل على وجود الصانع أولا بأحوال نفسه، وثانيا بأحوال آبائه، وهو نظير قوله فِي سورة البقرة: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) .
فظهر بما ذكرنا من الوجوه الفائدة فِي أنه تعالى ذكر أولا قوله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) .
وذكر ثانياً قوله: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) .
والله أعلم بحقائق كتابه.
فهذا ما يتعلق بالدلائل القرآنية الدالة على وجوب تقديم علم الأصول على علم الفروع.
ويؤكد هذا المعنى بعشرة حجج أخرى:
الحجة الأولى: وهي أن شرف العلم بشرف المعلوم، فمهما كان المعلوم أشرف كان العلم الحاصل به أشرف، ولما كان أشرف المعلومات ذات الباري تعالى وصفاته، وجب أن يكون معرفته وتوحيده أشرف العلوم.
الحجة الثانية: أن العلم إما أن يكون دينياً. أو يكون غير ديني
ولا شك أن العلم الديني أشرف من غير الديني.
وأما العلم الديني فإما أن يكون من علم الأصول أو ما عداه.
أما ما عدا علم الأصول فإن صحته متوقفة على صحة علم الأصول، لأن المفسر إنما يبحث عن معاني كلام الله تعالى، وذلك فرع على معرفة الصانع المختار المتكلم.
وأما المحدث فإنما يبحث عن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك فرع عن إثبات نبوته.
والفقيه يبحث عن أحكام الله تعالى، وذلك فرع على ثبوت التوحيد والنبوة.
فثبت أن هذه العلوم مفسرة إلى علم الأصول.
وظاهر أن علم الأصول غني عنها بأسرها، فوجب أن يكون علم الأصول أشرف.