روى ابن أبى حاتم، بسنده - عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما خرج من مكة إلى الغار، التفت إليها وقال: يا مكة: أنت أحب بلاد الله إلى الله وأنت أحب بلاد الله إليّ، ولو أن المشركين لم يخرجونى لم أخرج منك .. فأنزل الله هذه الآية.
ثم واصلت السورة الكريمة حديثها في الموازنة والمقارنة بين حال المؤمنين وحال الكافرين.
فقال - تعالى -:
[سورة محمد (47) : الآيات 14 إلى 15]
(أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ(14)
والاستفهام في قوله - تعالى -: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ للإنكار والنفي، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه السياق، و «من» مبتدأ، والخبر قوله كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ. والبينة: ما يتبين به الحق من كل شيء، كالنصوص الصحيحة في النقليات والبراهين السليمة في العقليات.
والمراد بمن كان على بينة من ربه: الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأتباعه، والمراد بمن زين له سوء عمله، واتبعوا أهواءهم: المشركون الذين استحبوا العمى على الهدى.
والمعنى: أفمن كان على بينة من أمر ربه، وعلى طريقة سليمة من هديه، يستوي مع من كان على ضلالة من أمره، بأن ارتكب الموبقات مع توهمه بأنها حسنات، واتبع هواه دون أن يفرق بين القبيح والحسن؟ لا شك أنهما لا يستويان في عقل أي عاقل. فإن الفريق الأول
مهتد في منهجه وسلوكه، والفريق الثاني في النقيض منه.
ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بأن بين مصير الفريقين فقال: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ.
والمراد بالمثل هنا: الصفة. وهو مبتدأ، والكلام على تقدير الاستفهام الإنكارى، وتقدير مضاف محذوف، والخبر قوله - تعالى -: كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ. أي: أمثل أهل الجنة كمثل من هو خالد في النار، أو: أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النار، وقدر الاستفهام في المبتدأ لأنه مرتب على الإنكارى السابق في قوله: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ.
ورحم الله - تعالى - صاحب الكشاف، فقد قال: فإن قلت ما معنى قوله - تعالى -: