وعن عكرمة قال:"كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا خرجوا من عنده قالوا لابن عباس: ماذا قال آنفاً فيقول كذا وكذا وكان ابن عباس أصغر القوم فأنزل الله الآية". فكان ابن عباس من الذين أوتوا العلم، وعن ابن بريده قال: هو ابن مسعود، وعن ابن عباس قال: هو ابن مسعود والإشارة بقوله: (أولئك) إلى المذكورين من المنافقين، وهو مبتدأ وخبره (الذين طبع الله على قلوبهم) أي بالكفر فلم يؤمنوا، ولا توجهت قلوبهم إلى شيء من الخير.
(واتبعوا أهواءهم) في الكفر والعناد، ثم ذكر حال أضدادهم فقال:
(والذين اهتدوا) إلى طريق الخير فآمنوا بالله وعملوا بما أمرهم به (زادهم هدى) بالتوفيق، وقيل: زادهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: زادهم القرآن، وقال الفراء: زادهم إعراض المنافقين واستهزاؤهم هدى، وقيل: زادهم نزول الناسخ هدى، وعلى كل تقدير فالمراد إنه زادهم إيماناً وعلماً وبصيرة في الدين، قال ابن عباس في الآية: لما أنزل القرآن آمنوا به، وكان هدى، فلما تبين الناسخ من المنسوخ زادهم هدى.
(وآتاهم تقواهم) أي ألهمهم إياها، وأعانهم عليها بمعنى خلق التقوى فيهم أو أعطاهم ثواب تقواهم وجزاءها، والأول أولى وأوفق لتأليف النظم لما سبق أن أغلب آيات هذه السورة الكريمة روعي فيه التقابل، فقوبل الطبع بزيادة الهدى، لأن الطبع يحصل من تزايد الرين وترادف ما يزيد في الكفر، وقوبل اتباع الهوى بإيتاء التقوى فيحمل على كمال التقوى، وهو أن يتنزه العارف عما يشغل سره عن الحق ويتبتل إليه بشر أشره، وهو التقي الحقيقي المعني بقوله: (اتقوا الله حق تقاته) ، فإن المزيد على مزيد الهدى، مزيد، لا مزيد عليه، وقال الربيع: التقوى هي الخشية، وقال السدي: هي ثواب الآخرة، وقال مقاتل: هي التوفيق للعمل بما يرضاه، وقيل: العمل بالناسخ وترك المنسوخ، وقيل: ترك الرخص والأخذ بالعزائم.