الكريم لما ذكره الْمُصَنّف، وأما الإشكال بأن الْمُسْتَثْنَى المفرغ يجب أن يستثنى من متعدد
مقدر يعرب بإعراب الْمُسْتَثْنَى مستغرق لذلك الجنس حتى يدخل فيه الْمُسْتَثْنَى بيقين ثم
يخرج بالاستثناء وليس مصدر نظن مثلًا محتملًا لغير الظن فضلًا عن الشمول واسْتغْرَاقه إياه
بيقين حتى يخرج الظن من البين فمدفوع بأن تنوين ظنًا للتحقير، وصدر الْكَلَام يحتمل الظن
القوي والضعيف فالظن الضعيف أخرج من هذا العموم وهذا الْجَوَاب مما اختاره السكاكي
وكثيرًا ما يكون الْمَفْعُول المطلق مستثنى مفرغًا لكونه مَوْصُوفًا بصفة كقَوْله تَعَالَى:(بل
كانوا لا يفقهون إلا قليلًا)أي لا يفهمون إلا فهمًا قليلًا كذا قاله الْمُصَنّف
وأَشَارَ إلَى أن الْمُسْتَثْنَى فهمًا وقليلًا صفته وكقَوْله تَعَالَى: (ولا يأتون البأس إلا قليلًا)
أي إلا إتيانًا قليلًا ونظائره كثيرة جدًا وكذا ما نحن فيه غاية الأمر أن
الصّفَة هنا منفهمة من التَّنْوين غير مذكورة صراحة ولا ضير فيه أَلَا [تَرَى] أنهم اعتبروا في
[شَرٌّ أَهَر] ذا ناب. أي شر عظيم لا حقير فلم لم يعتبروا هنا مع أن اعتبارهم ذلك غير محصور
فيصح أَيْضًا ما ضربت إلا ضربًا أي إلا ضربًا خفيفًا مثلًا.
قوله: (كأنه قال ما نحن إلا نظن ظنًا) قيل أي ما نحن نفعل فعلًا إلا نظن ظنًا عَلَى
جعل ما عداه من الأفعال في حيز العدم ادعاء لقصد المُبَالَغَة وهذا مسلك الحمل عَلَى
التقديم والتأخير نقله الرضي عن ابن يعيش وعده تكلفًا انتهى. وأنت تعلم أن هذا نوع تعقيد
لا يناسب جزالة النظم الجليل وما ذكرناه خال عن التَّكَلُّف وأوفق بالاسْتعْمَال وما قيل من
أنه يرده قَوْلُه تَعَالَى: (وما نحن بمستيقنين) فإن مقابل الاستيقان مطلق
الظن لا الضعيف منه فضعيف؛ لأن المطلق لا يوجد إلا في ضمن المقيد، والْمُرَاد هنا
الضعيف منه بمعونة المقام قول الْمُصَنّف تحيروا الخ. يؤيده؛ إذ التحير يستعمل في الشك
فظنهم قريب من الشك وهو ضعيف جدًا بل لا يبعد أن يقال إن الظن هنا بمعنى الشك أو
بمعنى الوهم لأنه قد يستعمل فيه، ولذا يقيد في التقريرات والمحاورات بالغالب فيقال الظن
الغالب احترازًا عَمَّا ذكرنا وقد صرحوا به وعدم الاستيقان منتظم بالْوُجُوه كلها.
قوله: (أو لنفي ظنهم فيما سوى ذلك مُبَالَغَة) عطف عَلَى إثبات الظن. والْمَعْنَى ما
نظن ظنًا في الأمر إلا في هذا الأمر والفرق أن في الأول إثبات الظن ونفي ما عداه من
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
(وما نحن بمستيقنين) ذلك المفهوم فيكون من باب الطرد والعكس. قال صاحب
التقريب: فيه نظر لأن موردهما واحد وهو الظن والحصر يقتضي تغاير الموردين، فالأولى أن يحمل
المنفي عَلَى الاعتقاد المطلق تعميمًا للخاص والمثبت عَلَى موضوعه أي لا نعتقد إلا اعتقادًا راجحًا
لا جازمًا ولذلك أكده بقوله (وما نحن بمستيقنين) أو يحمل المنفي عَلَى
موضوعه وتَخْصيص المثبت بالظن الضعيف فالْمَعْنَى إن نظن إلا ظنًا ضعيفًا إلَى هنا كلامه. أخذ
صاحب التقريب رحمه الله الوجه الأول من قول الواحدي إن نظن إلا ظنًا أي ما نعلم ذلك إلا
حديثا وتوهما وما نستيقن كونها ومن قول أبي البقاء إن الظن قد يكون بمعنى العلم والشك
فاستثني الشك أي ما لنا اعتقاد إلا الشك.