وكلمة {هُزُواً ..} [الجاثية: 35] مبالغة في الاستهزاء كما تقول: فلان عادل وفلان عدل. يعني: هو العدل نفسه.
{وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ..} [الجاثية: 35] أي: خدعتكم بزخرفها وبهجتها وبهرجها فعملتم لها ونسيتم العمل للآخرة {فَالْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا ..} [الجاثية: 35] أي: من النار.
{وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ} [الجاثية: 35] من الفعل عتب، والعتاب لا يكون إلا بين الأحبَّة، لذلك قالوا: ويبقى الود ما بقي العتاب، فإذا أسأتَ مثلاً إلى صديق لك فيأتي هو إليك ويُعاتبك، ويريد أنْ يسمع منك اعتذاراً أو عذراً ليستديم مودتك، لأنه لا يريد القطيعة بينكما.
فيُقال: استعتب فلان فأعتبه. يعني: أزال سبب عتابه، وهذه الهمزة تسمى همزة الإزالة، قال الشاعر:
أمَّا العتَابُ فَبالأحبَّةِ أخْلَقُ ... والحُبُّ يصلحُ بالعتَاب ويصْدُقُ
لذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما عاد من الطائف بعد أنْ آذاه أهلها جلس يناجي ربه: إنْ لم يكُنْ بك عليَّ غضبٌ فلا أبالي، ولكنه تذكر فقال: لكن عافيتك هي أوسع لي، لك العتبى حتى ترضى.
يعني: لك عندي يا رب ما أزيل به عتابك، يعني: لام على شيء ظنه تقصيراً.
إذن: أعتبه أزال عتابه، مثل: أعجم الحرف يعني أزال عُجْمته، وتعرفون أن الحروف العربية كانت تُكتب أولاً بدون نقط اعتماداً على المَلَكة العربية الصافية التي تستطيع أنْ تستشفّ الحرف المراد. فلما ضعُفَتْ هذه المَلَكة عند الناس احتاجوا إلى النقْط لفهم المعنى المراد.
فالحق سبحانه يقول عن هؤلاء {وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ} [الجاثية: 35] لا يُقبل منهم عتاب، ولا يُقبل لهم عذرٌ، ولا يُقبل فيهم شفاعة، فإنْ طلبوا إرضاء الله تعالى بأيِّ وسيلة تُرد ولا تُقبل، حتى التوبة لأنها لا تفيد في هذا اليوم.
{فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
أولاً: كلمة (لله الحمد) جملة من مبتدأ وخبر قُدِّم فيها الخبر لإفادة قصر الحمد على الله وحده، فالحمد واجب لله تعالى قبل كل شيء، واجب لله على أنه خَلَقَ من عدم وأمدَّ من عُدم، وهدى الناس بآياته البينات إلى سبيل الحق.
الحمد واجب لله على قيومته، وعلى المنهج الذي هدانا به، وعلى دار الجزاء التي يثيب فيها المؤمن ويعاقب فيها الكافر، الحمد واجب لله على أنْ أحيانا بروح منه أحيت مادتنا في الدنيا، وروح منه أحيَتْ قيمنا في الآخرة.