ثم قال تعالى: {كُلُّ أمَّةٍ تدعى إلى كتابها} على الابتداء وكل أمة على الإبدال من كل أمة ، وقوله {إلى كتابها} أي إلى صحائف أعمالها ، فاكتفى باسم الجنس كقوله تعالى: {وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} [الكهف: 49] والظاهر أنه يدخل فيه المؤمنون والكافرون لقوله تعالى بعد ذلك {فَأَمَّا الذين ءَامَنُواْ} .
ثم قال تعالى: {وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ} فإن قيل الجثو على الركبة إنما يليق بالخائف والمؤمنون لا خوف عليهم يوم القيامة ، قلنا إن المحق الآمن قد يشارك المبطل في مثل هذه الحالة إلى أن يظهر كونه محقاً.
ثم قال تعالى: {اليوم تُجْزَوْنَ} والتقدير يقال لهم اليوم تجزون ، فإن قيل كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله تعالى ؟ قلنا لا منافاة بين الأمرين لأنه كتابهم بمعنى أنه الكتاب المشتمل على أعمالهم وكتاب الله بمعنى أنه هو الذي أمر الملائكة بكتبه {يَنطِقُ عَلَيْكُم} أي يشهد عليكم بما عملتم من غير زيادة ولا نقصان {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ} الملائكة {مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي نستكتبهم أعمالكم.
ثم بيّن أحوال المطيعين فقال: {فَأَمَّا الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين} وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
ذكر بعد وصفهم بالإيمان كونهم عاملين للصالحات ، فوجب أن يكون عمل الصالحات مغايراً للإيمان زائداً عليه.
المسألة الثانية:
قالت المعتزلة علق الدخول في رحمة الله على كونه آتياً بالإيمان والأعمال الصالحة ، والمعلق على مجموع أمرين يكون عدماً عند عدم أحدهما ، فعند عدم الأعمال الصالحة وجب أن لا يحصل الفوز بالجنة وجوابنا: أن تعليق الحكم على الوصف لا يدل على عدم الحكم عند عدم الوصف.
المسألة الثالثة: