قال الزمخشري: فإن قلت: {إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم} ، ما موقع هاتين الجملتين؟ قلت: هما جملتان مستأنفتان ملفوفتان ، فسر بهما جواب القسم الذي هو قوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} ، كأنه قيل: أنزلناه ، لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب.
وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصاً ، لأن إنزال القرآن من الأمور المحكمة ، وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم ، والمباركة: الكثيرة الخير ، لما ينتج الله فيها من الأمور التي تتعلق بها منافع العباد في دينهم ودنياهم ، ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن وحده ، لكفى به بركة. انتهى.
وقرأ الحسن ، والأعرج ، والأعمش: يفرق ، بفتح الياء وضم الراء ، كل: بالنصب ، أي يفرق الله.
وقرأ زيد بن علي ، فيما ذكر الزمخشري: نفرق بالنون ، كل بالنصب ؛ وفيما ذكر أبو على الأهوازي: عينه بفتح الياء وكسر الراء ، ونصب كل ، ورفع حكيم ، على أنه الفاعل بيفرق.
وقرأ الحسن: وزائدة عن الأعمش بالتشديد مبنياً للمفعول ، أو معنى يفرق: يفصل من غيره ويلخص.
ووصف أمر بحكيم ، أي أمر ذي حكمة ؛ وقد أبهم تعالى هذا الأمر.
وقال ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، ومجاهد: في ليلة القدر يفصل كل ما في العام المقبل من الأقدار والأرزاق والآجال وغير ذلك ، ويكتب ذلك إلى مثلها من العام المقبل.
وقال هلال بن أساف: كان يقال: انتظر والقضاء في رمضان.
وقال عكرمة: لفضل الملائكة في ليلة النصف من شعبان.
وجوزوا في أمراً أن يكون مفعولاً به بمنذرين لقوله: {لينذر بأساً شديداً} أو على الاختصاص ، جعل كل أمر حكيم جزلاً فخماً ، بأن وصفه بالحكيم ، ثم زاده جزالة وفخامة نفسه بأن قال: أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا ، كائناً من لدنا ، وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا ، كذا قال الزمخشري.