وَأما فعل التّرْك فَلَا يشْعر بِشَيْء من هَذَا وَلَا يمدح بِهِ فَلَو قلت فلَان يتْرك لم يكن مُفِيدا فَائِدَة أصلا بِخِلَاف قَوْلك يطعم وَيُعْطِي ويهب وَنَحْوه بل لَا بُد أَن تذكر مَا يتْرك، وَلِهَذَا لَا يُقَال فلَان تَارِك وَيُقَال معط ومطعم وَمن أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ الْمُعْطِي فَقِيَاس ترك على أعْطى من أفسد الْقيَاس
و {سَلام على نوح فِي الْعَالَمِينَ} [الصافات 79] جملَة محكية
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ} [الصافات 78] من الْأُمَم هَذِه الْكَلِمَة وَهِي {سَلام على نوح} يَعْنِي يسلمُونَ عَلَيْهِ تَسْلِيمًا وَيدعونَ لَهُ وَهُوَ من الْكَلَام المحكي كَقَوْلِك قَرَأت سُورَة أنزلناها
الْخَامِس أَنه قَالَ {سَلام على نوح فِي الْعَالمين} فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن هَذَا السَّلَام عَلَيْهِ فِي الْعَالمين وَمَعْلُوم أَن هَذَا السَّلَام فيهم هُوَ سَلام الْعَالمين عَلَيْهِ كلهم يسلم عَلَيْهِ ويثني عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُ فَذكره بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ فيهم وَأما سَلام الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْهِ فَلَيْسَ مُقَيّدا بهم، وَلِهَذَا لَا يشرع أَن يسْأَل الله تَعَالَى مثل ذَلِك فَلَا يُقَال السَّلَام على رَسُول الله فِي الْعَالمين وَلَا اللَّهُمَّ صل وَسلم على رَسُولك فِي الْعَالمين وَلَو كَانَ هَذَا هُوَ سَلام الله لشرع أَن يطْلب من الله على الْوَجْه الَّذِي سلم بِهِ
وَأما قَوْلهم إِن الله سلم عَلَيْهِ فِي الْعَالمين وَترك عَلَيْهِ فِي الآخرين فَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أبقى على أنبيائه وَرُسُله سَلاما وثناءً حسنا فِيمَن تَأَخّر بعدهمْ جَزَاء على صبرهم وتبليغهم رسالات رَبهم
واحتمالهم للأذى من أممهم فِي الله، وَأخْبر أَن هَذَا الْمَتْرُوك على نوح هُوَ عَام فِي الْعَالمين وَأَن هَذِه التَّحِيَّة ثَابِتَة فيهم جَمِيعًا لَا يخلون مِنْهَا فأدامها عَلَيْهِ فِي الْمَلَائِكَة والثقلين طبقًا بعد طبق وعالماً بعد عَالم مجازاة لنوح عَلَيْهِ السَّلَام بصبره وقيامه بِحَق ربه وَبِأَنَّهُ أول رَسُول أرْسلهُ الله إِلَى أهل الأَرْض، وكل الْمُرْسلين بعده بعثوا بِدِينِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً} [الشورى 13]