أَحدهَا أَنه يلْزم مِنْهُ حذف الْمَفْعُول ل تركنَا وَلَا يبْقى فِي الْكَلَام فَائِدَة على التَّقْدِير فَإِن الْمَعْنى يؤول إِلَى أَنا تركنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين أمرا مَالا ذكر لَهُ فِي اللَّفْظ لِأَن السَّلَام عِنْد هَذَا الْقَائِل مُنْقَطع مِمَّا قبله لَا تعلق لَهُ بِالْفِعْلِ
الثَّانِي أَنه لَو كَانَ الْمَفْعُول محذوفاً كَمَا ذَكرُوهُ لذكره فِي مَوضِع وَاحِد ليدل على المُرَاد مِنْهُ حذفه وَلم يطرد فِي جَمِيع من أخبر أَنه ترك عَلَيْهِ فِي الآخرين الثَّنَاء الْحسن وَهَذِه طَريقَة الْقُرْآن بل وَكَانَ فصيح أَن يذكر الشَّيْء فِي مَوضِع ثمَّ يحذفه فِي مَوضِع آخر لدلَالَة الْمَذْكُور على الْمَحْذُوف وَأكْثر مَا تَجدهُ مَذْكُورا وحذفه قَلِيل.
وَأما أَن يحذف حذفا مطرداً وَلم يذكرهُ فِي مَوضِع وَاحِد وَلَا فِي اللَّفْظ مَا يدل عَلَيْهِ فَهَذَا لَا يَقع فِي الْقُرْآن
الثَّالِث أَن فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود {وَتَركنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين} (سَلاما) بِالنّصب.
وَهَذَا وَهَذَا يدل على إأن الْمَتْرُوك هُوَ السَّلَام نَفسه.
الرَّابِع أَنه لَو كَانَ السَّلَام مُنْقَطِعًا مِمَّا قبله لأخل ذَلِك بفصاحة الْكَلَام وجزالته وَلما حسن الْوُقُوف على مَا قبله وَتَأمل هَذَا بِحَال السَّامع إِذا سمع قَوْله {وَتَركنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين} كَيفَ يجد قلبه متشوقا متطلعاً إِلَى تَمام الْكَلَام واجتناء الْفَائِدَة مِنْهُ وَلَا يجد فَائِدَة الْكَلَام انْتَهَت وتمت لِيَطمَئِن عِنْدهَا بل يبْقى طَالبا لتمامها وَهُوَ الْمَتْرُوك فالوقف على {الآخرين} لَيْسَ بوقف تَامّ
فَإِن قيل فَيجوز حذف الْمَفْعُول من هَذَا الْبَاب لِأَن ترك هُنَا بِمَعْنى أعْطى لِأَنَّهُ اعطاه ثناءا حسنا أبقاه عَلَيْهِ فِي الآخرين وَيجوز فِي بَاب أعْطى ذكر المفعولين وحذفهما والاقتصار على أَحدهمَا وَقد وَقع ذَلِك فِي الْقُرْآن كَقَوْلِه {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} فذكرهما
وَقَالَ تَعَالَى {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى} فحذفهما
وَقَالَ تَعَالَى {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبك} فَحذف الثَّانِي وَاقْتصر على الأول.