فأنزل الله تعالى: {إِنَّا جعلناها فِتْنَةً للظالمين} قال الزجاج: حين افتتنوا بها ، وكذبوا بوجودها.
وقيل: معنى جعلها فتنة لهم: أنها محنة لهم لكونهم يعذبون بها ، والمراد بالظالمين هنا: الكفار ، أو أهل المعاصي الموجبة للنار.
ثم بين سبحانه أوصاف هذه الشجرة ردًّا على منكريها ، فقال: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِى أَصْلِ الجحيم} أي: في قعرها ، قال الحسن: أصلها في قعر جهنم ، وأغصانها ترفع إلى دركاتها ، ثم قال: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءوسُ الشياطين} أي: ثمرها ، وما تحمله كأنه في تناهي قبحه ، وشناعة منظره رؤوس الشياطين ، فشبه المحسوس بالمتخيل ، وإن كان غير مرئيّ ، للدلالة على أنه غاية في القبح كما تقول في تشبيه من يستقبحونه: كأنه شيطان ، وفي تشبيه من يستحسنونه: كأنه ملك ، كما في قوله: {مَا هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف: 31] ، ومنه قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وقال الزجاج ، والفراء: الشياطين: حيات لها رءوس ، وأعراف ، وهي من أقبح الحيات ، وأخبثها ، وأخفها جسماً.
وقيل: إن رؤوس الشياطين اسم لنبت قبيح معروف باليمن يقال له: الأستن ، ويقال له: الشيطان.
قال النحاس: وليس ذلك معروفاً عند العرب.
وقيل: هو شجر خشن منتن مرّ منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين.
{فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا} أي: من الشجرة ، أو من طلعها ، والتأنيث لاكتساب الطلع التأنيث من إضافته إلى الشجرة {فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون} وذلك أنهم يكرهون على أكلها حتى تمتلئ بطونهم ، فهذا طعامهم ، وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة {ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا} بعد الأكل منها {لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ} الشوب: الخلط.
قال الفراء: يقال: شاب طعامه ، وشرابه: إذا خلطهما بشيء يشوبهما شوباً وشيابة ، والحميم: الماء الحارّ.