وابن جرير عن السدي أن البيض المكنون ما تحت القشر الصلب بينه وبين اللباب الأصفر والمراد تشبيههن بذلك بعد الطبخ في النعومة والطراوة فالبيضة إذا طبخت وقشرت ظهر ما تحت القشرة على أتم نعومة وأكمل طراوة ، ومن هنا تسمع العامة يقولون في مدح المرأة: كأنها بيضة مقشرة ، ورجح ذلك الطبري بأن الوصف بمكنون يقتضيه دون المشهور لأن خارج قشر البيضة ليس بمكنون ، وفيه أن المتبادر من البيض مجموع القشر وما فيه وأكلت كذا بيضة الأكل فيه قرينة إرادة ما في القشر دون المجموع إذ لا يؤكل عادة وحينئذٍ لا يتم ما قاله الطبري فالأول هو المقبول ، ومعنى المكنون فيه ظاهر على ما سمعت ، وقد نقل الخفاجي هذا المعنى عن بعض المتأخرين وتعقبه بأنه ناشئ من عدم معرفة كلام العرب وكأنه لم يقف على روايته عن الحبر ومن معه وإلا لا يتسنى له ما قال ، ولعل الرواية المذكورة غير ثابتة وكذا ما حكاه أبو حيان عن الحبر من أن البيض المكنون الجوهر المصون لنبو ظاهر اللفظ عن ذلك ، وقالت فرقة: المراد تشبيههن بالبيض في تناسب الأجزاء والبيضة أشد الأشياء تناسب أجزاء والتناسب ممدوح ، ومن هنا قال بعض الأدباء متغزلاً:
تناسبت الأعضاء فيه فلا ترى...
بهن اختلافاً بل أتين على قدر
وأنت تعلم بعد فرض تسليم أن تناسب الأجزاء في البيضة معروف بينهم أن الوصف بالمكنون مما لا يظهر له دخل في التشبيه ، واستشكل التشبيه على ما تقدم بآية عروس القرآن {كَأَنَّهُنَّ الياقوت والمرجان} [الرحمن: 58] فإنها ظاهرة في أن في ألوانهن حمرة وأين هذا من التشبيه بالبيض المكنون على ما سمعت قبل فيتعين أن يراد التشبيه من حيث النعومة والطراوة كما روي ثانياً أو من حيث تناسب الأجزاء كما قيل أخيراً.