لَعَمْرِي لئن أَنزفتمُ أو صَحَوْتُمُ ...
لبئس النَّدامَى كنتمُ آلَ أَبْجَرَا
النحاس: والقراءة الأولى أبين وأصح في المعنى ؛ لأن معنى"يُنْزَفُونَ"عند جِلة أهل التفسير منهم مجاهد لا تذهب عقولهم ؛ فنفى الله عز وجل عن خمر الجنة الآفات التي تلحق في الدنيا من خمرها من الصداع والسكر.
ومعنى"يُنْزِفُونَ"الصحيح فيه أنه يقال: أنزف الرجل إذا نفد شرابه ، وهو يبعد أن يوصف به شراب الجنة ؛ ولكن مجازه أن يكون بمعنى لا ينفد أبداً.
وقيل:"لاَ يُنْزِفُونَ"بكسر الزاي لا يسكرون ؛ ذكره الزجاج وأبو علي على ما ذكره القُشَيري.
المهدوي: ولا يكون معناه يسكَرون ؛ لأن قبله"لاَ فِيهَا غَوْلٌ".
أي لا تغتال عقولهم فيكون تكراراً ؛ ويسوغ ذلك في"الواقعة".
ويجوز أن يكون معنى"لاَ فِيهَا غَوْلٌ"لا يمرضون ؛ فيكون معنى"وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ"لا يسكَرون أو لا ينفد شرابهم.
قال قتادة: الغول وجع البطن.
وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد"لاَ فِيهَا غَوْلٌ"قال لا فيها وجع بطن.
الحسن: صداع.
وهو قول ابن عباس"لاَ فِيهَا غَوْلٌ"لا فيها صداع.
وحكى الضحاك عنه أنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر والصداع والقيء والبول ؛ فذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال.
مجاهد: داء.
ابن كيسان: مغص.
وهذه الأقوال متقاربة.
وقال الكلبي:"لاَ فِيهَا غَوْلٌ"أي إثم ؛ نظيره: {لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ} [الطور: 23] .
وقال الشعبي والسدي وأبو عبيدة: لا تغتال عقولهم فتذهب بها.
ومنه قول الشاعر:
وما زالتِ الكأَسُ تغتالُنا ...
وتَذهبُ بالأولِ الأولِ
أي تصرع واحداً واحداً.
وإنما صرف الله تعالى السكر عن أهل الجنة لئلا ينقطع الالتذاذ عنهم بنعيمهم.
وقال أهل المعاني: الغول فساد يلحق في خفاء.
يقال: اغتاله اغتيالا إذا أفسد عليه أمره في خفية.
ومنه الغَوْل والغِيلة: وهو القتل خفية.