لما جاءت مع جملة المربوبات المتعددة وهي السماوات والأرض وما بينهما كان الأحسن مجيئها مجموعة لينتظم مع ما تقدم من الجمع والتعدد.
ثم تأمل كيف اقتصر على المشارق دون المغارب لاقتضاء الحال لذلك فإن المشارق مظهر الأنوار، وأسباب انتشار الحيوان وحياته وتصرفه ومعاشه وانبساطه، فهو إنشاء مشهود فقدمه بين يدي الرد على منكري البعث، ثم ذكر تعجب بنيه من تكذيبهم واستبعادهم البعث بعد الموت، ثم قدر الموت وحالهم فيه، وكان الاقتصار على ذكر (المشارق) هاهنا في غاية المناسبة للغرض المطلوب. والله أعلم.
{إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) }
جَمَّلَ ظَاهِرَهَا بِالْكَوَاكِبِ، وَبَاطِنَهَا بِالْحِرَاسَةِ مِنَ الشَّيَاطِينِ.
(فصل)
ثمَّ تَأمل حكمته تبَارك وَتَعَالَى فِي هَذِه النُّجُوم وَكَثْرَتهَا وَعَجِيب خلقهَا، وَأَنَّهَا زِينَة للسماء وأدلة يُهْتَدَى بهَا فِي طرق الْبر وَالْبَحْر وَمَا جعل فِيهَا من الضَّوْء والنور بِحَيْثُ يمكننا رؤيتها مَعَ الْبعد المفرط، وَلَوْلَا ذَلِك لم يحصل لنا الاهتداء وَالدّلَالَة وَمَعْرِفَة الْمَوَاقِيت، ثمَّ تَأمل تسخيرها منقادة بأمر رَبهَا تبَارك وَتَعَالَى، جَارِيَة على سنَن وَاحِد اقتضت حكمته وَعلمه أن لَا تخرج عَنهُ، فَجعل مِنْهَا البروج والمنازل والثوابت والسيارة والكبار وَالصغَار والمتوسط والأبيض الأزهر والأبيض الأحمر.
وَمِنْهَا مَا يخفى على النَّاظر فَلَا يُدْرِكهُ، وَجعل منْطقَة البروج قسمَيْنِ مُرْتَفعَة ومنخفضة، وَقدر سَيرهَا تَقْديرا وَاحِدًا، وَنزل الشَّمْس وَالْقَمَر والسيارات مِنْهَا منازلها.
فَمِنْهَا مَا يقطعهَا فِي شهر وَاحِد وَهُوَ الْقَمَر.
وَمِنْهَا مَا يقطعهَا فِي عَام، وَمِنْهَا مَا يقطعهَا فِي عدَّة أعوام كل ذَلِك مُوجب الْحِكْمَة والعناية، وَجعل ذَلِك أسباب لما يحدثه سُبْحَانَهُ فِي هَذَا الْعَالم فيستدل بهَا النَّاس على تِلْكَ الْحَوَادِث الَّتِي تقارنها كمعرفتهم بِمَا يكون مَعَ طُلُوع الثريا إِذا طلعت، وغروبها إِذا سَقَطت من الْحَوَادِث الَّتِي تقارنها، وَكَذَلِكَ غَيرهَا من الْمنَازل والسيارات.