إنه من المعلوم بديهة أن كلمة التوحيد هي كلمة التقوى، وهي نقطة الارتكاز في هذا الدين، وهي نقطة البداية في دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنها تحوي كل عقائد الإسلام، وإليها ترجع هذه العقائد، فإذا عرفنا أن هذا هو مضمون السورة أدركنا محل سورة الصافات في تفصيل قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ*
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ إنها تفصّل في موضوع التوحيد ومستلزماته.
تتألف السورة بشكل واضح من مقدمة تستمر حتى نهاية الآية العاشرة، تتحدث عن التوحيد، وعن أدلته، وعن حفظ الوحي.
ثم يأتي مقطعان كل منهما مبدوء بقوله تعالى فَاسْتَفْتِهِمْ.
المقطع الأول مبدوء بقوله تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ويستمر حتى نهاية الآية (148) .
والمقطع الثاني مبدوء بقوله تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ويستمر حتى نهاية السورة أي حتى نهاية الآية (182) .
ويندمج الكلام في المقطع الأول عن التوحيد، واليوم الآخر، والرسل كمواضيع متلازمة، إذ يرتبط الإيمان بالله بالإيمان باليوم الآخر، بل إنّ أكثر كفر الكافرين سببه الكفر باليوم الآخر، ويرتبط الإيمان بالله بالإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام؛ إذ هم الذين يعرفونه حق المعرفة، ويعرّفون عليه حقّ التعريف، ومن ثمّ يقول تعالى في السورة سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ* إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
ويندمج الكلام في المقطع الثاني عن الله عزّ وجل والملائكة والرسل والمؤمنين بشكل عجيب سنراه.
ومن ثمّ فإن السورة إذ تعرض التوحيد تعرض معه قضايا الإيمان كلها، لأن التصور السليم عن موضوع التوحيد مرتبط بالتصور السليم عن قضايا الإيمان كلها.