وقوله: {فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} قرئ: بفتح التاء والراء، على أنه مضارع رأيت، وهو من الرأي الذي هو الاعتقاد في القلب على وجه المشاورة، ليعلم ما عنده فيما نزل به، لأنه لا يخلو إما أن يكون من رؤية العين، أو من رؤية القلب المتعدية إلى مفعولين، أو من الرأي الذي هو الاعتقاد في القلب، فلا يجوز أن يكون من رؤية العين؛ لأنه لم يأمره أن يبصر شيئًا بِبَصَرِهِ، إنما أمره أن يدبر أمرًا عرضه عليه يقول فيه برأيه وهو الذبح، ولا يجوز أن يكون أيضًا من يرى الذي بمعنى العلم، لأنه ليس يكلفه أن يقطع له بصريح الحق وجَلِيّه اليقين، وإنما يسأله عما يحضره إياه رأيه ويبديه قوله، وإذا بطل ذلك، فبقي أن يكون من الرأي الذي هو الاعتقاد، كقولك: فلان يرى رَأْيَ الخوارجِ، ويرى رأي أبي حنيفة رحمه الله، فهو يتعدى إلى مفعول واحد، وهو {مَاذَا} إن جعلتهما اسمًا واحدًا، أي: فانظر أي شيء ترى؟ وإن جعلت (ما) مبتدأ (وذا) بمعنى الذي خبره، كان مفعوله محذوفًا وهو العائد إلى الذي، أي: ما الذي تراه؟
وقرئ: (ماذا تُرِي) بضم التاء وكسر الراء، وهو من الرأي المذكور
آنفًا، إلا أنه نُقل بالهمزة فتعدى إلى مفعولين، وهو مضارع أَرَيْت، أي: ماذا تُرِي أباك وتبديه من صبرك أو جزعك؟ فماذا مفعول أول وأباك ثانٍ، هذا إذا جعلت {مَاذَا} اسمًا واحدًا، وإن جعلت (ما) مبتدأ و (ذا) بمعنى الذي خبره، كان التقدير: ما الذي تريه أباك، أو ما الذي ترينيه؟ وقيل معناه: ماذا تشير؟ ماذا تأمر؟ وقال أبو إسحاق: ماذا تُبيْنُ.
وقرئ أيضًا: (ماذا تُرَى) بضم التاء وفتح الراء على البناء للمفعول، على: ماذا تريك نفسُكَ من الرأي؟ ثم ماذا تُرَى؟
وقوله: {يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} أي: ما تؤمر به من ذبحي، لأني أعلم أن هذه الرؤيا وحي إليك، وأمر لك بذبحي، فحذف الجار فبقي ما تؤمره، ثم ما تؤمر، فـ {مَا} على هذا موصولة، ويجوز أن تكون مصدرية فلا حذف إذن، أي: افعل أمرك، أي: مأمورك.