قلنا: لم يشاوره ليرجع إلى رأيه في ذلك، ولكن ليعلم ما عنده من الصبر فيما نزل به من بلاء الله تعالى، فيثبت قدمه إن جزع، ويأمن عليه الزّلل إن صبر وسلّم، وليعلم القصّة فيوطن نفسه على الذّبح، ويهونه عليها فيلقى البلاء وهو كالمستأنس به، ويكتسب الثواب بالانقياد والصبر لأمر الله تعالى قبل نزوله، وليكون سنة في المشاورة، فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في أكل الشجرة لما فرط منه ذلك.
[933] فإن قيل: كيف قيل له: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا) [الصافات: 105] وإنما يكون مصدقا لها لو وجد منه الذبح ولم يوجد؟
قلنا: معناه قد فعلت غاية ما في وسعك مما يفعله الذابح من إلقاء ولدك وإمرار الشفرة على حلقه؛ ولكن الله تعالى منع الشفرة أن تقطع. وقيل: إن الذي رآه في المنام معالجة الذّبح فقط لا إراقة الدّم، وقد فعل ذلك في اليقظة فكان مصدّقا للرؤيا.
[934] فإن قيل: أين جواب «لما» في قوله تعالى: (فَلَمَّا أَسْلَما؟) [الصافات: 103] .
قلنا: قيل هو محذوف تقديره: استبشرا واغتبطا وشكرا الله تعالى على ما أنعم به عليهما من الفداء؛ أو تقديره: سعدا، أو أجزل ثوابهما. وقيل: الجواب هو قوله تعالى: (نادَيْناهُ) [الصافات: 104] والواو زائدة كما في قول امرئ القيس: فلمّا أجزنا ساحة الحيّ وانتحى ... بنا بطن خبت ذي خفاف عقنقل
أي فلما أجزنا ساحة الحيّ انتحى، كذا نقله ابن الأنباري في شرحه.
[935] فإن قيل: كيف قال تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) [الصافات: 110] وفي غيرها من القصص قبلها وبعدها إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) [الصافات: 80] .
قلنا: لما سبق في قصة إبراهيم عليه السلام مرة إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) [الصافات: 80] طرحه في الثاني تخفيفا واختصارا واكتفاء بذكره مرة، بخلاف سائر القصص.
[936] فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ) [الصافات: 133، 143] وهو كان من المرسلين قبل زمان التنجية؟
قلنا: قوله: (إِذْ نَجَّيْناهُ) [الصافات: 134] لا يتعلق بما قبله بل يتعلق بمحذوف تقديره: واذكر لهم يا محمّد إذ نجيناه أو أنعمنا عليه إذ نجيناه، وكذا السؤال في قوله تعالى: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) [الصافات: 139، 140] .