قال الزّجّاج: وإنكار هذه القراءة غلط، لأنّ العجب من الله تعالى خلاف العجب من الآدميين، ونظيره قوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) [آل عمران: 54] وقوله: سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ) [التوبة: 79] وما أشبهه، وفي الّذي وقع منه العجب قولان: أحدهم كفرهم بالقرآن. والثاني: إنكارهم البعث.
[925] فإن قيل: كيف مدح سبحانه نوحا عليه السلام بقوله: (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) [الصافات: 81] ؛ مع أن مرتبة الرّسل فوق مرتبة المؤمنين؟
قلنا: إنما مدحه بذلك تنبيها لنا على جلالة محل الإيمان وشرفه، وترغيبا في تحصيله والثّبات عليه والإزدياد منه، كما قال تعالى، في مدح إبراهيم عليه السلام: وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) [العنكبوت: 27] .
[926] فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ) [الصافات: 88] ، والنظر إنما يعدّى بإلى، قال الله تعالى: (وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ) [الأعراف: 143] وقال: (فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ) [الروم: 50] .
قلنا: «في» هنا بمعنى إلى كما في قوله تعالى: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ) [إبراهيم: 9] .
الثاني: أن المراد به نظر الفكر لا نظر العين، ونظر الفكر إنما يعدّى بفي قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [الأعراف: 185] ، فصار المعنى ففكر في علم النجوم أو في حال النجوم.
[927] فإن قيل: كيف استجاز إبراهيم عليه السلام أن يقول: إِنِّي سَقِيمٌ) [الصافات: 89] ولم يكن سقيما؟
قلنا: معناه سأسقم، كما في قوله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ) [الزمر: 30] فهو من معاريض الكلام قاله ليتخلف عنهم إذا خرجوا إلى عيدهم فيكيد أصنامهم. وقال ابن الأنباري: أعلمه الله تعالى أنه يمتحنه بالسقم إذا طلع نجم كذا، فلما رآه علم أنه سيسقم. وقيل معناه: إنّي سقيم القلب عليكم إذ عبدتم الأصنام وتكهنتم بنجوم لا تضر ولا تنفع. وقيل: إنه عرض له مرض وكان سقيما حقيقة. وقال الزمخشري: قد جوز بعض الناس الكذب في المكيدة في الحرب والتقية وإرضاء الزوج والصلح بين المتخاصمين والمتهاجرين. قال: (والصحيح أن الكذب حرام إلا إذا عرّض وورّى، وإبراهيم صلوات الله عليه عرّض بقوله وورّى، فإنه أراد أن من في عنقه الموت سقيم، كما قيل في المثل: «كفى بالسلامة داء» . وقال لبيد: ودعوت ربي بالسّلامة جاهدا ... ليصحّني فإذا السلامة داء