وعاشرها: أنه تعالى جعلهم خزائن أسراره فهو أعلم بحالهم وأعرف بقدرهم، فإنه خمر طينتهم بيده أربعين صباحاً وجعلهم مرآة يظهر لها جميع صفاته عليهم لا على غيرهم، ولو كانت الملائكة المقربون ألا ترى أنه تعالى لما قال لهم: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30] غما عرفوهم حق معرفتهم حتى قال تعالى فيهم عزة وكرامة لهم: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] أي: من فضائلهم وشمائلهم، لإغنهم خزائن أسراري ومرآة جمالي وجلالي، فأنتم تنظرون إليهم بنظر الغيرة وأنا أنظر إليهم الرحمة والمحبة، فلا ترون منهم إلا كل قبيح ولا أرى منهم إلا كل جميل، فلا أرضى أن أجعلكم حاكماً بينهم بل بفضلي وكرمي أنا أفضل بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، فأحسن مع محسنهم وأتجاوز عن سيئهم، فلا يكبر على اختلافهم لعلمي بحالهم أنهم لا يزالون مختلفين {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 53] ولذلك خلقهم.
وبقوله: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الْقُرُونِ} [السجدة: 26] يشير إلى عذر الهالكين بأنه ما هلك أحد بنفسه إلا بإهلاكنا إياهم {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} [السجدة: 26] التي أسكناهم فيها على أقدام الهلاك فمن المهلكين من يهده الله إلى أن الله الذي هو أهلك فهو المهتدي، ومن أمارة علم من يعلم أن الله أهلكه أن يعلم ويهتدي إلى أن الله هو يحييه فيرجع إلى الله بالتوبة والاستغفار ليحييه كما أهلكه {إِنَّ فِي ذَلِكَ} [السجدة: 26] الإهلاك {لآيَاتٍ} [السجدة: 26] بأن الله هو المهلك والمحيي {أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} [السجدة: 26] هذا المعنى من لسان الإهلاك؛ ليرجعوا إليه في طلب الإحياء والنجاة.