{أَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ} [السجدة: 19] بطلب الحق تعالى {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} بالإقبال على الله والإعراض عما سواه {فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} يعني: أن جنات هي مأوى الأبرار ومنزلهم تكون لهم نزلاً للمقربين السائرين إلى الله وأما مأواهم ومنزلهم ففي {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 55] .
{وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ} [السجدة: 20] خرجوا عن سبيل الرشاد ووقعوا في بين البعد والإبعاد {فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَآ أَرَادُوا أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا} [السجدة: 20] لأنهم في هذه الصفة عاشوا وفيها ماتوا فعليها حشروا وذلك أن دعاة الحق كانوا في الدنيا ينصحون لهم أن يخرجوا من أسفل الطبيعة بحبل الشريعة ورعاية أدب الطريقة حملهم الشوق الروحاني على التوجه إلى الوطن الأصلي العلوي، فلما عزموا على الخروج من الدركات الشهوية أدركتهم الطبيعة النفسانية الحيوانية السفلية وأمادتهم إلى أسفل الطبيعة {وَقِيلَ لَهُمْ} [السجدة: 20] يوم القيامة {ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [السجدة: 20] لأنكم وإن كنتم معذبين في الدنيا، ولكن ما كان لكم الشعور بالعذاب لخلل حواسكم الأخروية ولو كنتم تدون ذوق العذاب لانتهيتم من الأعمال الموجبة لعذاب النار، كما أنكم لما ذقتم ألم عذاب النار في الدنيا احترزتم عنها غاية الاحتراز.