إلاَّ أنَّ الشيخَ لم يَرْتَضِه منهما فقال:"ما ذكراه من فائدةِ التأكيدِ غيرُ ظاهرٍ ، وإنما هو لمجرَّدِ التوكيد ويُفيد رَفْعَ المجازِ فقط". انتهى . ولا أدري عدمُ الظهورِ لماذا؟ وقال قطرب:"وإن كانوا مِنْ قبلِ التنزيل مِنْ قبل المطَر . وقيل: التقديرُ مِنْ قبلِ إنزالِ المطرِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَزْرعوا . ودَلَّ المطرُ على الزرع ؛ لأنه يَخْرج بسببِ المطر . ودلَّ على ذلك قولُه"فَرَأَوْه مُصْفَرَّاً"يعني الزرعَ ؛ قال الشيخ:"وهذا لا يَسْتقيم ؛ لأنَّ {مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ} متعلِّقٌ ب"مُبْلِسِيْن"ولا يمكن مِنْ قَبْل الزَّرْع أَنْ يتعلَّقَ بمُبْلِسين ؛ لأنَّ حرفَيْ جرّ لا يتعلَّقان بعاملٍ واحدٍ إلاَّ بوساطةِ حرفِ العطف أو البدلِ ، وليس هنا عطفٌ والبدلُ لا يَجوز ؛ إذ إنزالُ الغيثِ ليس هو الزرعَ ولا الزرعُ بعضَه . وقد يُتَخَيَّلُ فيه بدلُ الاشتمالِ بتكلُّفٍ: إمَّا لاشتمالِ الإِنزالِ على الزَّرْع ، بمعنى: أنَّ الزرعَ يكون ناشِئاً عن الإِنزال ، فكأن الإِنزالَ مُشْتملٌ عليه . وهذا على مذهبِ مَنْ يقول: الأولُ مشتملٌ على الثاني"."
وقال المبردُ:"الثاني السحابُ ؛ لأنهم لَمَّا رَأَوْا السحابَ كانوا راجين المطرَ"انتهى . يريد مِنْ قبل رؤيةِ السحاب . ويحتاج أيضاً إلى حَرْفِ عطفٍ ليصِحَّ تعلُّقُ الحرفين ب"مُبْلِسين". وقال الرمَّاني:"من قبلِ الإِرسال". والكرماني:"من قَبْلِ الاستبشارِ ؛ لأنه قَرَنه بالإِبلاس ، ولأنه مَنَّ عليهم بالاستبشار". ويحتاج قولُهما إلى حرفِ العطفِ لِما تقدَّم ، وادِّعاءُ حرفِ العطفِ ليس بالسهلِ ؛ فإنَّ فيه خلافاً: بعضُهم يَقيسُه ، وبعضُهم لا يقيسه . هذا كلُّهُ في المفردات . أمَّا إذا كان في الجمل فلا خلافَ في اقتياسِه .