وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ أي وليس في مقدورك هداية العميان عن الحق، وردهم عن ضلالتهم، بل الهداية إلى الله تعالى، فإنه بقدرته يسمع الأموات أصوات الأحياء إذا شاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وليس ذلك لأحد سواه، ولهذا قال تعالى:
إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا، فَهُمْ مُسْلِمُونَ أي لا تسمع أيها الرسول سماعا يؤدي إلى الانتفاع إلا المؤمن المصدق بالقرآن وما اشتمل عليه من دلائل التوحيد والقدرة الإلهية على كل شيء، فهذا المؤمن إذا سمع آيات الله تتلى عليه، تدبره وتفهمه، وأقبل عليه يعمل بما جاء فيه، وينتهي عما نهى عنه، وهؤلاء المؤمنون هم المسلمون، أي الخاضعون المستجيبون المطيعون لله فيما أمر ونهى، وأولئك هم الذين يسمعون الحق ويتبعونه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
1 -لا فائدة ولا جدوى في هداية المشركين المكابرين المعاندين الذي ألفوا تقليد الأسلاف في الكفر، فماتت عقولهم، وعميت بصائرهم.
2 -إنما الفائدة تظهر في إسماع مواعظ الله المؤمنين الذين يصغون إلى أدلة التوحيد، ويستعدون لقبول الهداية إن ظهرت لهم دلائلها.
3 -المقصود من قوله تعالى: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى سماع التدبر والفهم والاتعاظ، وهذا لا يعارض الثابت في السنة النبوية من إمكان سماع الأموات كلام الأحياء.
روى عبد الله بن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم خاطب القتلى الذين ألقوا في قليب (بئر) بدر، بعد ثلاثة أيام، وعاتبهم وقرعهم، حتى قال له عمر:
يا رسول الله، ما تخاطب من قوم قد جيّفوا؟ - أي أنتنوا- فقال: «والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون» .
وهذا هو الصحيح المؤيد بالشواهد الكثيرة، منها
ما رواه ابن عبد البر، مصحّحا له عن ابن عباس مرفوعا: «ما من أحد يمرّ بقبر أخيه المسلم، كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه إلا ردّ الله عليه روحه، حتى يرد عليه السلام» .
وثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم في تعريفه أمته كيفية السلام على أهل القبور أن يقولوا كما يخاطب الأحياء: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين»