وحين نلحظ الفاء في بداية هذه الآية {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى ...} [الروم: 52] نجد أن التقدير: فلا تحزن ، ولا يهولنك إعراضهم ؛ لأنك ما قصرْتَ في البلاغ ، إنما التقصير من المستقبل ؛ لأنهم لم يقبلوا الروح السامية التي جاءتهم ، بل نفروا من السماع ، وتناهوا عنه ، كما حكى القرآن عنهم: {وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26] .
ونَهْى بعضهم بعضاً عن سماع القرآن دليل على أنهم يعلمون أن مَنْ يسمع القرآن بأذن واعية لا بُدَّ أنْ يؤمن به وأنْ يقتنع .
ثم يقول سبحانه: {صُمٌّ بُكْمٌ ...} [البقرة: 18] .
وقد علمنا من وظائف الأعضاء أن البكَم يأتي نتيجة الصمم ؛ لأن اللسان يحكي ما سمعته الأذن ، فإذا كانت الأذن صماء فلا بُدَّ أن يكون اللسان أبكمَ ، ليس لديه شيء يحكيه .
لذلك نجد الطفل العربي مثلاً حين ينشأ في بيئة إنجليزية يتكلم الإنجليزية لأنه سمعها وتعلمها ، بل نجد صاحب اللغة نفسه تُعرض عليه الكلمات الغربية من لغته فلا يعرفها لماذا؟ لأنه لم يسمعها ، فحين يقول العربي عن العجوز: إنها الحَيْزبون والدَّردبيس . . الخ تقول: ما هذا الكلام ، مع أنه عربي لكن لم تسمعه أذنك .
والأذن هي أداة الالتقاط الأولى لبلاغ الرسالة ، وما دام الله تعالى قد حكم عليهم بأنهم في حكم الأموات ، فالإحساس لديهم ممتنع ، فالأذن لا تسمع آيات القرآن ، والعين لا ترى آيات الكون ولا تتأملها .
لذلك قال تعالى عنهم: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور} [الحج: 46] .
وكلمة أعمى نقولها للمبصر صحيح العينين حينما يخطئ في شيء ، فتقول له: أنت أعمى؟ لماذا ، لأنه وإنْ كان صحيح العينين ، إلا أنه لم يستعملها في مهمتهما ، فهو والأعمى سواء .