وهؤلاء الذين أعرضوا عن القرآن إنما يخافون على مكانتهم وسيادتهم ، فهم أهل فساد وطغيان ، ويعلمون أن هذا المنهج جاء ليقيد حرياتهم ، ويقضي على فسادهم وطغيانهم ؛ لذلك رفضوه .
لذلك تجد أن الذين تصدَّوْا لدعوات الرسل وعارضوهم هم السادة والكبراء ، أَلاَ تقرأ قول الحق سبحانه عن مقالتهم: {إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا} [الأحزاب: 67] .
إذن: لا تتعجب من أنَّ القرآن يسمعه إنسان فيقول مُستلذاً به: الله ، أعِدْ ، وآخر ينصرف عنه لا يدري ما يقول ، والمنصرف عن القرآن نوعان: إما ينصرف عنه تكبُّراً يعني: وعي القرآن وفهمه لكن تكبَّر على الانصياع لأوامره ، وآخر سمعه لكن لم يفهمه ؛ لأن الله ختم على قلبه .
ومهمة الداعي أنْ يتعهد المدعو ، وألاَّ ييأس لعدم استجابته ، وعليه بتكرار الدعوة له ، لعله يصادف عنده فترة صفاء وفطرة ، وخلو نفس ، فتثمر فيه الدعوة ويستجيب .
وإلا فقد رأينا من أهل الجاهلية مَنْ أسلم بعد فترة طويلة من عمر الدعوة أمثال: خالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص ، وعكرمة ، وغيرهم .
ونعلم كم كان عمر بن الخطاب كارهاً للإسلام معادياً لأهله ، وقصة ضَرْبه لأخته بعد أنْ أسلمتْ قصة مشهورة لأنها كانت سبب إسلامه ، فلما ضربها وشجَّها حتى سال الدم منها رقَّ قلبه لأخته ، فلما قرأت عليه القرآن صادف منه قلبه صافياً ، وفطرة نقية نفضت عنه عصبية الجاهلية الكاذبة فانفعل للآيات وباشرتْ بشاشتها قلبه فأسلم .
لذلك أمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أنْ يجهر بالدعوة ، وأنْ يصدع بما يُؤمر ، لعلَّ السامع تصادفه فترة تنبه لفطرته ، كما حدث مع عمر .