ومعنى الآية: أي ذلك الإعطاء لمن تقدم ذكرهم من فعل الخير الذي يتقبله الله تعالى، ويرضى عن فاعليه، ويعطيهم جزيل الثواب، وأولئك قد ربحوا في صفقتهم، فأعطوا ما يغني، وحصلوا على ما يبقى من النعيم المقيم، والخير العميم، وإنما كان هذا العمل خيرًا لما فيه من تكافل الأسرة الخاصة، وتعاونها في السراء والضراء، وتعاون الأسرة العامة، وهي الأمة الإِسلامية جمعاء، كما جاء في الحديث:"المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا"، ولا يخفى ما لذلك من أثرِ في تولد المحبة والمودة، وفي التكاتف لدفع عوادي الأيام، ومحن الزمان.
39 -ثم ذكر سبحانه وتعالى من يتصرف في ماله على غير الجهة المرضية فقال: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا} أي: وما أعطيتم من عطية خالية من العوض، أو ما أعطيتم من زيادةٍ محرمة في المعاملة، أو عطية يتوقع بها مزيد مكافأة {لِيَرْبُوَ} ؛ أي: ليزيد لكم ذلك المعطى، ويتسبب لكم {فِي أَمْوَالِ النَّاسِ} ؛ أي: في أخذكم من أموال الناس؛ أي: ليحصل لكم شيئًا أكثر منه، بأن تعطوا شيئًا وتطلبوا ما هو أفضل منه {فَلَا يَرْبُو} ذلك المعطى ولا يزيد لكم {عِنْدَ اللَّهِ} سبحانه فائدةً، ولا يبارك الله لكم فيه، فليس لكم فيه أجر، وليس عليكم فيه إثم إن كانت في غير المعاملة؛ أي: وما أعطيتم من عطية بلا مقابل ليربح لكم في أموال الناس، بتحصيل مكافأةٍ زائدةٍ عليه .. فلا يربح لكم عند الله سبحانه، فليس لكم عليه أجر.
وقيل: الآية في الرجل، يعطي صديقه أو قريبه، ليكثر ماله لا يريد به وجه الله، وقيل: هو الرجل يلتزق بالرجل، فيخدمه ويسافر معه، فيجعل له ربح ماله، لالتماس عونه، لا لوجه الله تعالى، فلا يربو عند الله تعالى؛ لأنه لم يرد بعمله وجه الله تعالى.