لكن كتاب الله بادر في الحين بالتوجه إلى كل من وسع الله رزقه، فعرفه بأن عليه في ماله حقوقا للغير، وطالبه بأداء تلك الحقوق لأصحابها كفاية لحاجتهم، وذكر على سبيل المثال ذوي القربى، والمساكين، وعابري السبيل، ممن تنقطع بهم الأسباب وهم في سفر، ولا يجدون ما ينفقون، وذلك قوله تعالى في نفس السياق: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وقدم (ذا القربى) ، لأن بره فيه صدقة وصلة للرحم.
وقوله تعالى هنا: {لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} ، إشارة إلى أن الاعتبار بالنية والقصد، لا بمجرد الفعل وحده، ومعنى {وَجْهَ اللَّهِ} أن يكون العطاء خالصا لله، وسعيا في رضاه، نظير قوله تعالى في آية أخرى (20: 92) : {إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} .
ثم انتقل كتاب الله إلى الموازنة بين الربا والزكاة، وما يحل بساحة المرابين من نقص مادي ونفسي، وما يناله المزكون من نماء مادي وروحي، فقال تعالى مخاطبا للفريق الأول: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ} وقال تعالى مخاطبا للفريق الثاني: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} .