قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَسُئِلَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ: أَيُجْزِئُ عَنْهُ الصَّبِيُّ أَنْ يُعْتِقَهُ، وَهُوَ رَضِيعٌ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَدْ ذَكَرَ أَقْوَالَ النَّاسِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْفِطْرَةُ هَاهُنَا هِيَ الْإِسْلَامُ. قَالُوا: وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ، وَأَهْلُ التَّأْوِيلِ قَدْ أَجْمَعُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] ، عَلَى أَنْ قَالُوا: فِطْرَةُ اللَّهِ دِينُ الْإِسْلَامِ.
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ:" «اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] » ."
قَالَ: وَذَكَرُوا عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ وَالضَّحَّاكِ وَقَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] ، قَالُوا: فِطْرَةُ اللَّهِ دِينُ الْإِسْلَامِ: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30] ، قَالُوا: لِدِينِ اللَّهِ.
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِذٍ الْأَزْدِيِّ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلنَّاسِ يَوْمًا:" «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِمَا حَدَّثَنِي اللَّهُ فِي الْكِتَابِ؟ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَبَنِيهِ حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ، وَأَعْطَاهُمُ الْمَالَ حَلَالًا لَا حَرَامَ فِيهِ، فَجَعَلُوا مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ حَرَامًا وَحَلَالًا» "الْحَدِيثَ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَى بَكْرُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ:" «حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ» ".