قَالَ أَبُو عُمَرَ: رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ قَتَادَةُ مِنْ مُطَرِّفٍ، وَلَكِنْ قَالَ: حَدَّثَنِي ثَلَاثَةٌ: عُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْغَافِرِ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، وَالْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ، كُلُّهُمْ يَقُولُ: حَدَّثَنِي مُطَرِّفٌ، عَنْ عِيَاضٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ فِيهِ:" «وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ» "لَمْ يَقُلْ"مُسْلِمِينَ".
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحَسَنُ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِيَاضٍ.
وَرَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَمَّنْ لَا يُتَّهَمُ، عَنْ قَتَادَةَ بِإِسْنَادِهِ قَالَ فِيهِ:" «وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ» "، وَلَمْ يَقُلْ"مُسْلِمِينَ".
قَالَ: فَدَلَّ هَذَا عَلَى حِفْظِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَإِتْقَانِهِ، وَضَبْطِهِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ"مُسْلِمِينَ"فِي رِوَايَتِهِ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَأَسْقَطَهُ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ النَّاسُ عَنْ قَتَادَةَ: قَصَّرَ فِيهِ عَنْ قَوْلِهِ"مُسْلِمِينَ"وَزَادَهُ ثَوْرٌ بِإِسْنَادِهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَالْحَنِيفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْمُسْتَقِيمُ الْمُخْلِصُ، وَلَا اسْتِقَامَةَ أَكْبَرُ مِنَ الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ:"الْحَنِيفِيَّةُ حَجُّ الْبَيْتِ"وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْإِسْلَامَ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ"حُنَفَاءَ: حُجَّاجًا"، وَعَنْ مُجَاهِدٍ:"حُنَفَاءَ مُتَّبِعِينَ"، قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ: الْإِسْلَامُ.
قَالَ: وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: الْحَنِيفُ الْمُخْلِصُ. وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا} [آل عمران: 67]
وَقَالَ تَعَالَى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} [الحج: 78] ، قَالَ الرَّاعِي:
أَخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إِنَّا مَعْشَرٌ ... حُنَفَاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وَأَصِيلَا