قُلْتُ: إِنْ أَرَادَ أَبُو مُحَمَّدٍ"الْمَعْرِفَةَ"الْمَعْرِفَةَ الثَّانِيَةَ بِالْفِعْلِ الَّتِي هِيَ لِلْكِبَارِ، فَإِنْكَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ مُتَوَجِّهٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ مُهَيَّأٌ لِلْمَعْرِفَةِ، وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِيهِ بِالْقُوَّةِ كَمَا هُوَ مُهَيَّأٌ لِلْفِعْلِ وَالنُّطْقِ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ
كَمَا إِذَا قِيلَ: يُولَدُ نَاطِقًا عَاقِلًا بِحَيْثُ إِذَا عَقَلَ عَرَفَ رَبَّهُ بِتِلْكَ الْقُوَّةِ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِيهِ دُونَ الْجَمَادَاتِ، بِحَيْثُ لَوْ خُلِّيَ وَمَا فُطِرَ عَلَيْهِ وَلَمْ تُغَيَّرْ فِطْرَتُهُ لَكَانَ عَارِفًا بِرَبِّهِ، مُوَحِّدًا لَهُ، مُحِبًّا لَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يُنْكِرْ هَذَا، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْفِطْرَةِ الْمِيثَاقَ الْأَوَّلَ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ حِينَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ، فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ، وَالْإِقْرَارَ غَيْرُ حَاصِلَيْنِ مِنَ الطِّفْلِ، فَصَحَّ إِنْكَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ.