قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ"الرَّدُّ عَلَى ابْنِ قُتَيْبَةَ": فَيُقَالُ لَهُ: وَمَا عَلَى رَجُلٍ حَكَى اخْتِلَافًا فِي شَيْءٍ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الصَّوَابُ فَأَمْسَكَ عَنِ التَّقَدُّمِ عَلَى مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ صَوَابُهُ، مَا عَلَى هَذَا مِنْ سَبِيلٍ، بَلْ هُوَ مَحْمُودٌ عَلَى التَّوَقُّفِ عَمَّا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ عَسَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ، بَلِ الْعَيْبُ الْمَذْمُومُ مَنِ اجْتَرَأَ عَلَى الْقَوْلِ فِيمَا لَا عِلْمَ لَهُ، فَفَسَّرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَفْسِيرًا خَالَفَ فِيهِ حُكْمَ الْكِتَابِ، وَخَرَجَ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَتَرَكَ الْقِيَاسَ وَالنَّظَرَ، فَقَالَ قَوْلًا لَا يَصْلُحُ فِي خَبَرٍ، وَلَا يَقُومُ عَلَى نَظَرٍ.
وَهُوَ هَذَا الْعَائِبُ عَلَى أَبِي عُبَيْدٍ: زَعَمَ أَنَّ الْفِطْرَةَ الَّتِي أَخْبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَيْهَا: هِيَ خَلْقُهُ فِي كُلِّ مَوْلُودٍ مَعْرِفَةً بِرَبِّهِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] الْآيَةَ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78] ، فَزَعَمَ هَذَا أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ أَعْظَمَ الْأَشْيَاءِ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، فَمَنْ أَعْظَمُ جُرْمًا، وَأَشَدُّ مُخَالَفَةً لِلْكِتَابِ مَنْ سَمِعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78] ، فَزَعَمَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَعْظَمَ الْأَشْيَاءِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعَانِدُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْجَاهِلُ بِالْكِتَابِ.