قِيلَ: ابْنُ قُتَيْبَةَ إِنَّمَا قَالَ: الْفِطْرَةُ هِيَ خَلْقُهُ فِي كُلِّ مَوْلُودٍ مَعْرِفَةً بِرَبِّهِ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الأعراف: 172] الْآيَةَ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ الْمَعْرِفَةُ حَاصِلَةً فِي الْمَوْلُودِ بِالْفِعْلِ، وَتَشْبِيهُهُ الْحَدِيثَ بِالْآيَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمِيثَاقَ الَّذِي ذَكَرَ فِي الْآيَةِ هُوَ الْمَعْرِفَةُ الْفِعْلِيَّةُ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ إِلَى الدُّنْيَا أَحْيَاءً نَاطِقِينَ، وَإِنْ كَانَ هَذَا قَدْ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فَلَا يَلْزَمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنْ يَخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ، بَلْ هَذَا مِنْ حُسْنِ فَهْمِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ: إِذْ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى الْآيَةِ، وَفَسَّرَ كُلًّا مِنْهُمَا بِالْآخَرِ. وَقَدْ قَالَ هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، وَأَحْسَنُ مَا فُسِّرَتْ بِهِ الْآيَةُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:" «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ: فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ» "
فَالْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ، وَالْإِشْهَادُ الَّذِي أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَالْإِقْرَارُ الَّذِي أَقَرُّوا بِهِ هُوَ الْفِطْرَةُ الَّتِي فُطِرُوا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَهُوَ لَا يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِمَا لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا يَذْكُرُهُ، بَلْ بِمَا يُشْرَكُونَ فِي مَعْرِفَتِهِ، وَالْإِقْرَارِ بِهِ.