(فصل)
قوله تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) }
وَهَذَا دَلِيلُ قِيَاسٍ احْتَجَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ جَعَلُوا لَهُ مِنْ عَبِيدِهِ وَمِلْكِهِ شُرَكَاءَ، فَأَقَامَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً يَعْرِفُونَ صِحَّتَهَا مِنْ نُفُوسِهِمْ، لَا يَحْتَاجُونَ فِيهَا إلَى غَيْرِهِمْ، وَمِنْ أَبْلَغِ الْحِجَاجِ أَنْ يَأْخُذَ الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَحْتَجَّ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ فِي نَفْسِهِ، مُقَرَّرٌ عِنْدَهَا، مَعْلُومٌ لَهَا، فَقَالَ: هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ عَبِيدِكُمْ وَإِمَائِكُمْ شُرَكَاءَ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ؟ أَيْ هَلْ يُشَارِكُكُمْ عَبِيدُكُمْ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَهْلِيكُمْ فَأَنْتُمْ وَهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ تَخَافُونَ أَنْ يُقَاسِمُوكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَيُشَاطِرُوكُمْ إيَّاهَا، وَيَسْتَأْثِرُونَ بِبَعْضِهَا عَلَيْكُمْ، كَمَا يَخَافُ الشَّرِيكُ شَرِيكَهُ؟ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَخَافُونَهُمْ أَنْ يَرِثُوكُمْ كَمَا يَرِثُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَالْمَعْنَى هَلْ يَرْضَى أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ شَرِيكَهُ فِي مَالِهِ وَأَهْلِهِ حَتَّى يُسَاوِيَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي ذَلِكَ فَهُوَ يَخَافُ أَنْ يَنْفَرِدَ فِي مَالِهِ بِأَمْرٍ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَمَا يَخَافُ غَيْرَهُ مِنْ الشُّرَكَاءِ وَالْأَحْرَارِ؟ فَإِذَا لَمْ تَرْضَوْا ذَلِكَ لِأَنْفُسِكُمْ فَلِمَ عَدَلْتُمْ بِي مِنْ خَلْقِي مَنْ هُوَ مَمْلُوكٌ لِي؟ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ بَاطِلًا فِي فِطَرِكُمْ وَعُقُولِكُمْ - مَعَ أَنَّهُ جَائِزٌ عَلَيْكُمْ مُمْكِنٌ فِي حَقِّكُمْ؛ إذْ لَيْسَ عَبِيدُكُمْ مِلْكًا لَكُمْ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا هُمْ إخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، وَأَنْتُمْ وَهُمْ عَبِيدٌ لِي - فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ مِثْلَ هَذَا الْحُكْمِ فِي حَقِّي، مَعَ أَنَّ مَنْ جَعَلْتُمُوهُمْ لِي شُرَكَاءَ عَبِيدِي وَمِلْكِي وَخَلْقِي؟ فَهَكَذَا يَكُونُ تَفْصِيلُ الْآيَاتِ لِأُولِي الْعُقُولِ.