فالمشابهةُ معلومةٌ ، والمخالفةُ مِنْ وجوه: قوله:"مِنْ أنفسكم"أي: مِنْ نَسْلِكم مع حقارةِ الأنفس ونَقْصِها وعَجْزِها ، وقاسَ نفسَه عليكم مع جلالتِها وعظمتِها وقُدْرَتِها . قوله: {مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أي: عبيدِكم والمِلْكُ طارئ قابلٌ للنقلِ بالبيع وللزوالِ بالعِتْقِ ، ومملوكُه تعالى لا خروجَ له عن المِلْكِ ، فإذا لم يَجُزْ أَنْ يُشْرِكَكم مملوكُكُم ، وهو مِثْلُكم إذا تحرَّرَ مِنْ جميعِ الوجوهِ ، ومثلُكم في الآدميَّةِ حالةَ الرِّق فكيف يُشْرَكُ باللَّهِ تعالى مملوكُه مِنْ جميع الوجوهِ ، المباينُ له بالكلية؟ وقوله:"فيما رَزَقْنَاكم"يعني أنه ليس لكم في الحقيقة ، إنما هو لله تعالى ومَنْ رَزَقه حقيقةً . فإذا لم يَجُزْ أَنْ يَشْرَكَكم فيما هو لكم ، من حيث الاسمُ ، فكيف يكون له تعالى شريكٌ فيما له من جهة الحقيقة؟"انتهى وإنما ذكرْتُ هذا المعنى مَبْسوطاً لأنَّه مبيِّنٌ لِما ذكرته مِنْ وجوهِ الإِعراب ."
وقوله:"كَخِيْفَتِكم"أي: خِيْفَةً مثلَ خِيْفتكم . والعامَّةُ على نصب"أنفسَكم"لأنَّ المصدرَ مضافٌ لفاعلِه . وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع على إضافةِ المصدرِ لمفعولِه . واستقبح بعضُهم هذا إذا وُجِد الفاعلُ . وقال بعضُهم: ليس بقبيحٍ بل يجوزُ إضافتُه إلى كلٍ منهما إذا وُجدا . وأنشد:
3649 أَفْنَى تِلادي وما جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ ... قَرْعُ القواريزِ أفواهَ الأباريقِ
بنصب"الأفواه"ورَفْعِها .
قوله:"كذلك نُفَصِّل"أي: مثلَ ذلك التفصيلِ البيِّنِ نُفَصِّل . وقرأ أبو عمرو في رواية"يُفَصِّلُ"بياء الغيبة رَدًّا على قوله:"ضَرَبَ لكم". والباقون بالتكلم رَدًّا على قوله:"رَزَقْناكم".