ولما كانت السماء أشرف من جهة العلو الذي لا يرام ، والجوهر البالغ فِي الأحكام ، والزينة البديعة النظام ، المبنية على المصالح الجسام ، وكثرة المنافع والأعلام ، عبر فِي أمرها بثم فقال: {ثم استوى إلى السماء} أي وشرف على ذلك جهة العلو بنفس الجهة والحسن والطهارة وكثرة المنافع ، ثم علق إرادته ومشيئته بتسويتها من غير أدنى عدول ونظر إلى غيرها ، وفخم أمرها بالإبهام ثم التفسير ، والإفراد الصالح لجهة العلو تنبيهاً على الشرف ، وللجنس الصالح للكثرة ، ولذلك أعاد الضمير جمعاً ، فكان خلق الأرض وتهيئتها لما يراد منها قبل خلق السماء ، ودحوها بعد خلق السماء ؛ على أن ثم للتعظيم لا للترتيب فلا إشكال ، وتقديم الأرض هنا لأنها أدل لشدة الملابسة والمباشرة.
وقال الحرالي: أعلى الخطاب بذكر الاستواء إلى السماء الذي هو موضع التخوف لهم لنزول المخوفات منه عليهم فقيل لهم: هذا المحل الذي تخافون منه هو استوى إليه ، ومجرى لفظ الاستواء فِي الرتبة والمكانة أحق بمعناه من موقعه فِي المكان والشهادة ؛ وبالجملة فالأحق بمجرى الكلِم وقوعها نبأ عن الأول الحق ، ثم وقوعها نبأ عما فِي أمره وملكوته ، ثم وقوعها نبأ عما فِي ملكه وإشهاده ؛ فلذلك حقيقة اللفظ لا تصلح أن تختص بالمحسوسات البادية فِي الملك دون الحقائق التي من ورائها من عالم الملكوت ، وما به ظهر الملك والملكوت من نبأ الله عن نفسه من الاستواء ونحوه فِي نبأ الله عن نفسه أحق حقيقة ، ثم النبأ به عن الروح مثلاً واستوائها على الجسم ثم على الرأس مثلاً واستوائه على الجثة فليس تستحق الظواهر حقائق الألفاظ على بواطنها بل كانت البواطن أحق باستحقاق الألفاظ ؛ وبذلك يندفع كثير من لبس الخطاب على المقتصرين بحقائق الألفاظ على محسوساتهم {فسوَّاهُنَّ} التسوية إعطاء أجزاء الشيء حظه لكمال صورة ذلك الشيء {سبع سماوات} أعطى لكل واحدة منهن حظها {وأوحى فِي كل سماء أمرها} [فصلت: 12] انتهى.