بينا نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عرض شاعر يُنشد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خذوا الشيطان أو أمسكوا الشيطان لأَن يمتلىءَ جوفُ رجلٍ قيحاً خيرٌ له من أن يمتلىءَ شعراً"قال علماؤنا: وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا مع هذا الشاعر لما علم من حاله ؛ فلعلّ هذا الشاعر كان ممن قد عرف من حاله أنه قد اتخذ الشعر طريقاً للتكسب ، فيفرط في المدح إذا أعطي ، وفي الهجو والذم إذا مُنع ، فيؤذي الناس في أموالهم وأعراضهم.
ولا خلاف في أن من كان على مثل هذه الحالة فكل ما يكتسبه بالشعر حرام.
وكل ما يقوله من ذلك حرام عليه ، ولا يحل الإصغاء إليه ، بل يجب الإنكار عليه ؛ فإن لم يمكن ذلك لمن خاف من لسانه قطعاً تعيّن عليه أن يداريه بما استطاع ، ويدافعه بما أمكن ، ولا يحلّ له أن يعطى شيئاً ابتداء ، لأن ذلك عون على المعصية ؛ فإن لم يجد من ذلك بدًّا أعطاه بنية وقاية العِرض ؛ فما وَقَى به المرءُ عرضه كُتب له به صدقة.
قوله:"لأَنْ يَمتلىءَ جوفُ أحدكم قيحاً حتى يَرِيَه"القيح المِدّة يخالطها دم.
يقال منه: قاح الجُرْح يَقِيح وتَقيّح وقَيَّح.
و"يَرِيه"قال الأصمعي: هو من الوَرْي على مثال الرمي وهو أن يَدْوَى جوفُه ، يقال منه: رجل مَوْريّ مشدّد غير مهموز.
وفي"الصحاح": ورى القيح جوفه يرِيه وريا إذا أكله.
وأنشد اليزيدي:
قالت له وَرْياً إذا تَنحنحَا ...
وهذا الحديث أحسن ما قيل في تأويله: إنه الذي قد غلب عليه الشعر ، وامتلأ صدره منه دون علم سواه ولا شيء من الذكر ممن يخوض به في الباطل ، ويسلك به مسالك لا تحمد له ، كالمكثر من اللغط والهذر والغيبة وقبيح القول.
ومن كان الغالب عليه الشعر لزمته هذه الأوصاف المذمومة الدنية ، لحكم العادة الأدبية.
وهذا المعنى هو الذي أشار إليه البخاري في صحيحه لما بوّب على هذا الحديث"باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر".