قال ابن حجر: وَمُحَصِّل الْقِصَّة أَنَّ الَّذِينَ حَضَرُوا الْوَلِيمَة جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، وَاسْتَحْيَا النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَأْمُرهُمْ بِالْخُرُوجِ، فَتَهَيَّأَ لِلْقِيَامِ لِيَفْطِنُوا لِمُرَادِهِ فَتقُومُوا بِقِيَامِهِ، فَلمَّا أَلْهَاهُمْ الْحَدِيث عَنْ ذَلِكَ قَامَ وَخَرَجَ فَخَرَجُوا بِخُرُوجِهِ، إِلَّا الثَّلَاثَة الَّذِينَ لَمْ يَفْطِنُوا لِذَلِكَ لِشِدَّةِ شُغْل بَالهِمْ بِمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ الْحَدِيث، وَفِي غُضُون ذَلِكَ كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يُرِيد أَنْ يَقُومُوا مِنْ غَيْر مُوَاجَهَتهمْ بِالْأَمْرِ بِالْخُرُوجِ لِشِدَّةِ حَيَائِهِ، فَيُطِيل الْغَيْبَة عَنْهُمْ بِالتَّشَاغُلِ بِالسَّلَامِ عَلَى نِسَائِهِ وَهُمْ فِي شُغْل بَالهمْ، وَكَانَ أَحَدهمْ فِي أَثْنَاء ذَلِكَ أَفَاقَ مِنْ غَفْلَته فَخَرَجَ وَبَقِيَ الِاثْنَانِ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ وَوَصَلَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إلَى مَنْزِله فَرَآهُمَا فَرَجَعَ، فَرَأَيَاهُ لمَّا رَجَعَ، فَحِينَئِذٍ فَطِنَا فَخَرَجَا، فَدَخَلَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، وَأُنْزِلَتْ الْآيَة فَأَرْخَى السِّتْر بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنَس خَادِمه أَيْضًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْد بِذَلِكَ.
وإنما أوردت هذه الأسباب تبيينًا أن الحجاب لم ينزل موافقًا لرأي عمر وحده، أو أن الوحي يوافق أهواء الناس، بل هناك أسباب أخرى تقتضي مثلًا نزول الحجاب، وهناك أسباب غير ما أشار به عمر فيما وافق فيه ربه، وإنما هذه مجرد كرامات الأولياء يلقيها الله - عز وجل -
على ألسنة أوليائه والملازمين لقرآنه وسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - جزاءً لهم على ما قدموا للإسلام والمسلمين.
قال في الدليل إلى المتون العلمية: وهي من فوائد مجالسة العلماء إذ يفتح للمتعلم بين أيديهم ما لا يفتح له دونهم، ويبقى ذلك النور لهم بمقدار ما بقوا في متابعة معلمهم، وتأدبهم معه واقتدائهم به، فهذا الطريق نافع على كل تقدير. وهذا أولًا.