6 -معارف الوحي فوق مطامع الذات الإنسانية وإمكانها. في بيئة الجهالة القاتمة بعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، فجاء قومَه بعقيدة وأحكام تنافي ما أقاموا عليه من وثنية وتقاليد عفنة نتنة، وقاوم عقائد القوم بحدة وصلابة حتى أزعجهم وأقلقهم، هذا نهج لا ينصرف إليه ذهن متزعم، وإنما يجيء الوحي به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ويأمره بالتزامه، على الرغم مما يلقى من عنت القوم؛ عرف ورقة بن نوفل هذه الحقيقة قبل وقوعها، فأعلم محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بقوله:(إذ يخرجك قومك، فقال:"أوَمخرجِيّ هم؟"قال: نعم، إذ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا
عودي. . .) ، وها هم أولاء زعماء الشرك قد مشوا إلى أبي طالب فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ إنَّ ابْنَ أَخِيك قَدْ سَبَّ آلِهَتَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَسَفّهَ أَحْلَامَنَا، وَضَلَّلَ آبَاءَنَا؛ فَإِمّا أَنْ تَكُفّهُ عَنَّا، وَإِمّا أَن تُخلِّي بَيْنَنَا وَبَيْنَه، وإذ لم يكف عن دعوته، عادوا إلى أبي طالب يتذمرون ثانية حتى قالوا: وَإِنّا وَالله لَا نَصْبِرُ عَلَى هَذَا مِنْ شَتْمِ آبَاءَنَا، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا، وَعَيْبِ آلِهَتَنَا، حَتّى تَكُفّهُ عَنّا، أَوْ نُنَازِلَهُ وَإِيّاكَ فِي ذَلِكَ حَتّى يَهْلِكَ أحد الفريقين.
فالوحي يُلْقِي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - عقيدة متميزة ليناهض بها العقيدة الشعبية السائدة الراسخة، ويغير القيم والمفاهيم، ويقلب الأوضاع، وهذا أمر لا تستحسنه الذات الإنسانية، ولا تسعى إليه إن تعلقت بزعامة، أو حرصت على جاه.