ولأن القرآن نزل من أعلى فيجب علينا أن نستقبله استقبالَ الواثقِ فيه المطمئن به ، لا نعانده ، ولا نتكبر عليه ؛ لأنك تتكبر على مساوٍ لك ، أمّا ما جاءك من أعلى فيلزمك الانقياد له ، عن اقتناع .
وفي الريف نسمعهم يقولون (اللي الشرع يقطع صباعه ميخرش دم) لماذا؟ لأنه قُطِع بأمر الأعلى منك ، بأمر الله لا بأمر واحد مثلك .
وحين نتأمل قوله تعالى في التشريع لحكم من الأحكام: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] .
كلمة (تعالوا) تعني: اتركوا حضيض تشريع الأرض ، وأَقْبلوا على رِفْعة تشريع السماء ، فتعالوا أيْ: تعلَّوا وارتفعوا ، لا تهبطوا إلى مستوى الأرض ، وإلا تعبتُم وعضَّتكم الأحداث ؛ لأن الذي يُشرِّع لكم بشر أمثالكم وإنْ كانوا حتى حَسَنِي النية ، فهم لا يعلمون حقائق الأمور ، فإنْ أصابوا في شيء أخطأوا في أشياء ، وسوف تُضطرون لتغيير هذه التشريعات وتعديلها .
إذن: فالأسلم لكم أنْ تأخذوا من الأعلى ؛ لأنه سبحانه العليم بما يُصلحكم .
إذنك {نَزَلَ} [الشعراء: 193] تفيد أنه من الأعلى من مصدر الخير حتى الحديد وهو من نِعَم الله ، لما تكلم عنه قال سبحانه: {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بالغيب} [الحديد: 25] .
ولم يَقُلْ مثلاً: أنزلناه الألماظ أو الألماس ، أو غيره من المعادن النفيسة ، لماذا؟ لأن الحديد أداة من أدوات نُصْرة الدعوة وإعلاء كلمة الله .
وسُمِّي جبريل عليه السلام الروح ؛ لأن الروح بها الحياة ، والملائكة أحياء لكن ليس لهم مادة ، فكأنهم أرواح مطلقة ، أما البشر فمادة فيها روح .