أي: الذي زعمتما أنكما رسوله، وإنما أتى بما دون من لأنها يسأل بها عن طلب الماهية كقولك ما العنقاء، ولما كان جواب هذا السؤال لا يمكن تعريفه إلا بلوازمه الخارجية لامتناع التعريف بنفسه وبما هو داخل فيه لاستحالة التركيب في ذاته عدل موسى عليه السلام إلى جواب ممكن فأجاب بصفاته تعالى، كما قال تعالى إخباراً عنه:
{قَالَ رَبِّ} أي: خالق ومبدع ومدبر {السَّمَاوَاتِ} كلها {وَالأَرْضِ} وإن تباعدت أجرامها بعضها من بعض {وَمَا بَيْنَهُمَا} أي: بين السماوات والأرض فأعاد ضمير التثنية على جمعين اعتباراً بالجنسين وخصه بهذه الصفات لأنها أظهر خواصه وآثاره وفيه إبطال لدعواه أنه إله، ومعنى قوله {إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ} أي: إن كان يرجى منكم الإيقان الذي يؤدّي إليه النظر الصحيح نفعكم هذا الجواب وإلا لم ينفع، أو إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به لظهوره وإنارة دليله.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأوّل وهو قوله (أولو جئتك بشيء مبين) أي: بآية بينة والمعجز لا يدل على ذلك كدلالة سائر ما تقدم؟
أجيب: بأنه يدل بما أراد أن يظهره من انقلاب العصا حية على الله تعالى وعلى توحيده وعلى أنه صادق في ادعاء الرسالة، فالذي ختم به كلامه ما تقدم.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف قال هنا {ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} وفي آية أخرى {فَإِذَا هِيَ حَيَّة ٌ تَسْعَى} (طه: 20)
وفي آية ثالثة {كَأَنَّهَا جَآنٌّ} (النمل: 10)
والجان مائل إلى الصغر والثعبان إلى الكبر؟
أجيب: بأن الحية اسم الجنس ثم لكبرها صارت ثعباناً، وشبهها بالجان لخفتها وسرعتها، ويحتمل أنه شبهها بالشيطان لقوله تعالى: {وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ} (الحجر: 27)
ويحتمل أنها كانت صغيرة كالجان ثم عظمت فصارت ثعباناً.
{قَالَ لَهُمْ مُّوسَى}