وربما قيل في قوله تعالى (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ) كيف يصح أن يعتدّ لفرعون بمثل ذلك؟ وجوابنا أن ذلك بمنزلة إنكار كونه نعمة لا بمنزلة الإقرار لأن الذي فعله ببني إسرائيل يجري مجرى الظلم العظيم ويحتمل أن يكون المراد عبدت بني إسرائيل وخيبتني مع الذي كان منك من تربيتي وغير ذلك فيكون في الكلام حذف فعند ذلك قال له (وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) فأجابه رب السماوات والأرض وما بينهما لأنه تعالى إنما يعرف بأفعاله التي تختص به ولا تجوز عليه المشاهدة فكان الذي أجابه به هو الجواب الحقيقي ولم يزل يكرر مثل ذلك حتى قال إنه لمجنون ثمّ قال (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) وليس ذلك بطعن في أدلته والله تعالى مسخره لما علم من عاقبة أمر موسى صلّى الله عليه وسلم عند ظهور الآيات وما ينزل بهم آخرا من الهلاك وعلى هذا ما فصله تعالى في القصة.
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ) كيف يصح ان يقول فانهم وإنما يقال في الأصنام فانها وكيف يصح ان يصفها بأنها عدو وهي جماد وكيف يصح أن يقول إلا رب العالمين فيستثني من الأصنام رب العالمين؟ وجوابنا أن إبراهيم صلّى الله عليه أجرى كلامه على طريقة اعتقادهم وكانوا يعتقدون في الأصنام أنها تنفع وتضر كالناس بل أزيد فلهذا جمعها هذا الجمع ووصفها بهذا الوصف وإلا فهو عالم بأن الأمر بخلاف ذلك