ورابعها: أنه اشتهر فِي الألسنة أن من طلب المال بالكيمياء أفلس ، ومن طلب الدين بالكلام تزندق ، وذلك يدل على أنه لا يجوز فتح الباب فيه: المقام الرابع: أن بتقدير أنه فِي نفسه غير قبيح ، ولكنا نقيم الدلالة على أن الله ورسوله ما أمرا بذلك ، والذي يدل عليه أن هذه المطالب لا تخلو ، إما أن يكون العلم بدلائلها علماً ضرورياً غنياً عن التعلم والاستفادة ، وإما أن لا يكون كذلك ، بل يحتاج فِي تحصيلها إلى التأمل والتدبر والاستفادة ، والأول باطل ، وإلا لوجب أن يحصل ذلك لكل الناس وهو مكابرة ولأنا نجرب أذكى الناس فِي هذا العلم فلا يمكنه تحصيله فِي السنين المتطاولة بعد الاستعانة بالأستاذ والتصانيف.
وإن كان الثاني وجب أن لا يحصل ذلك العلم للإنسان ، إلا بعد الممارسة الشديدة والمباحثة الكثيرة ، فلو كان الدين مبنياً عليه ، لوجب أن لا يحكم الرسول بصحة إسلام الرجل إلا بعد أن يسأله عن هذه المسائل ، ويجربه فِي معرفة هذه الدلائل على الاستقصاء.
ولو فعل الرسول ذلك لاشتهر ولما لم يشتهر بل المشهور المنقول عنه بالتواتر أنه كان يحكم بإسلام من يعلم بالضرورة أنه لم يخطر بباله شيء من ذلك ، علمنا أن ذلك غير معتبر فِي صحة الدين ، فإن قيل: معرفة أصول الدلائل حاصلة لأكثر العقلاء ، إنما المحتاج إلى التدقيق دفع الأسئلة والجواب عن الشبهات وذلك غير معتبر فِي صحة أصل الدين ، قلنا هذا ضعيف لأن الدليل لا يقبل الزيادة والنقصان ألبتة ، وذلك لأن الدليل إذا كان مبنياً على مقدمات عشرة فإن كان الرجل جازماً بصحة تلك المقدمات كان عارفاً بالدليل معرفة لا يمكن الزيادة عليها ، لأن الزيادة على تلك العشرة إن كان معتبراً فِي تحقق ذلك الدليل بطل قولنا إن ذلك الدليل مركب من العشرة فقط ، وإلا لم يكن معتبراً لم يكن العلم به علماً بزيادة شيء فِي الدليل ، بل يكون علماً منفصلاً.