وقرأ الجمهور: {بل أتينهم} بنون العظمة. وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر ويونس عن أبي عمرو {بل أتيتهم} بتاء المتكلم، وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى أيضًا وأبو البرهشيم وأبو حيوة والجحدري وابن قطيب وأبو رجاء {بل أتيتهم} بتاء الخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - . وقرأ الجمهور {بِذِكْرِهِمْ} ؛ أي: بوعظهم، والبيان لهم، قاله ابن عباس. وقرأ عيسى {بذكراهم} بألف التأنيث. وقرأ قتادة {نذكرهم} بالنون والتشديد مضارع ذكر من التذكير. وتكون الجملة على هذه القراءة في محل نصب على الحال. وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وأبو رجاء وأبو الجوزاء {بل آتيناهم بذكراهم فهم عن ذكراهم معرضون} بألف فيهما.
72 -ثم بيَّن سبحانه أن دعوه نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، ليست مشوبة بأطماع الدنيا فقال: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ} وأم هي المنقطعة، بمعنى همزة الإنكار التوبيخي، وبل التي للإضراب الانتقالي؛ لأنه انتقال من توبيخهم بما ذكر من قولهم، أم يقولون به جنة إلى التوبيخ بوجه آخر. والمعنى: أم يزعمون أنك تسألهم عن أداء الرسالة {خَرْجًا} ؛ أي: جعلاً وأجرًا تأخذه منهم، فتركوا الإيمان بك، وبما جئت به لأجل ذلك، مع أنهم يعلمون أنك لم تسألهم ذلك ولا طلبته منهم، {فَخَرَاجُ رَبِّكَ} وثوابه {خَيْرٌ} لك، تعليل لنفي السؤال المستفاد من الإنكار؛ أي: لا تسألهم ذلك فإن رزق ربك الذي يرزقك في الدنيا، وأجره الذي يعطيكه في الآخرة خير لك مما ذكر لسعته ودوامه، ففيه استغناء لك من عطائهم، {وَهُوَ} سبحانه وتعالى {خَيْرُ الرَّازِقِينَ} ؛ أي: خير من أعطى عوضًا على عمل؛ لأن ما يعطيه لا ينقطع ولا يتكدر. وهذه الجملة مقررة لخيرة خراجه تعالى.
وفي"التأويلات النجمية": فيه إشارة إلى أن العلماء بالله الراسخين في العلم، لا يدنسون وجوه قلوبهم الناضرة بدنس الأطماع الفاسدة الصالحة الدنيوية والأخروية، فيما يعاملون الله في دعوة الخلق إلى الله، بالله، لله.