ثم أضافوا إلى إنكارهم هذا للدار الآخرة، تطاولا على نبيهم، واتهاما له بما هو برئ منه، فقالوا: إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ... أي ما هذا النبي الذي أمركم بترك عبادة آلهتكم، وأخبركم بأن هناك بعثا وحسابا، إلا رجل اختلق على الله الكذب فيما يقوله ويدعو إليه وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ في يوم من الأيام، فكونوا مثلنا - أيها الناس - في عدم الإيمان به، وفي الانصراف عنه.
وهكذا يصور لنا القرآن الكريم بأسلوبه البليغ، موقف الطغاة من دعوة الحق، وكيف أنهم لا يكتفون بالانصراف عنها وحدهم، بل يؤلبون غيرهم بكل وسيلة على الانقياد لهم، وعلى محاربة من جاء بهذه الدعوة بمختلف السبل وشتى الطرق.
ثم يحكى لنا القرآن بعد ذلك موقف النبي الذي أرسله الله - تعالى - لهؤلاء القوم الظالمين فيقول: قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ.
أي: قال ما قاله أخوه نوح من قبله: رب انصرني على هؤلاء الجاحدين، فأنت تعلم -
يا إلهى - أنهم كذبوا ما جئتهم به من عندك.
وجاءت الاستجابة من الله - تعالى - لهذا النبي، كما جاءت لأخيه نوح من قبله، ويحكى القرآن ذلك فيقول: قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ.
أي: قال الله - عز وجل - لنبيه: لقد أجبنا دعاءك أيها النبي الكريم، وبعد وقت قليل من الزمان. ليصبحن نادمين أشد الندم على أقوالهم الباطلة، وأفعالهم القبيحة، ولكن هذا الندم لن ينفعهم لأنه جاء في غير أوانه.
والجار والمجرور في قوله عَمَّا قَلِيلٍ متعلق بقوله: لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ أي:
ليصبحن عن زمن قليل نادمين، و «عن» هنا بمعنى بعد، و «ما» جيء بها لتأكيد معنى القلة.
وأكد - سبحانه - قوله لَيُصْبِحُنَّ بلام القسم ونون التوكيد، لبيان أن هذا الوعيد آت لا ريب فيه، وفي وقت قريب.
وجاء الوعيد فعلا. وأخبر - سبحانه - عن ذلك فقال: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ ... أي: فأهلكناهم إهلاكا تامّا، بالصيحة التي صاحها بهم جبريل - عليه السلام - حيث صاح بهم مع الريح العاتية التي أرسلها الله عليهم فدمروا تدميرا.