قال فإن قلت أي المثلين أبلغ ؟ قلت الثاني لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته ولذلك أخر ، وهم يتدرجون فِي مثل هذا من الأهون إلى الأغلظ.
قلت: قال شيخنا: الناس فِي الهدى الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم أربعة أقسام قد اشتملت عليهم هذه الآيات من أول السورة إلى ههنا.
"القسم الأول"قبلوه باطنا وظاهرا ، وهم نوعان: أحدهما أهل الفقه فيه والفهم
والتعليم ، وهم الأئمة الذين عقلوا عن الله تعالى كتابه وفهموا مراده وبلغوه إلى الأمة واستنبطوا أسراره وكنوزه ، فهؤلاء مثل الأرض الطيبة التي قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير فرعى الناس فيه ورعت أنعامهم ؛ وأخذوا من ذلك الكلأ الغذاء والقوت والدواء وسائر ما يصلح لهم.
"النوع الثاني"حفظوه وضبطوه وبلغوا ألفاظه إلى الأمة فحفظوا عليهم النصوص ، وليسوا من أهل الاستنباط والنفقة فِي مراد الشارع ، فهم أهل حفظ وضبط وأداء لما سمعوه ، والأولون أهل فهم وفقه واستنباط وإثارة لدفائنه وكنوزه ، وهذا النوع الثاني بمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس فوردوه وشربوا منه وسقوا منه أنعامهم وزرعوا به.