فإن قال لنا قائل: إنك ذكرتَ أنّ معنى قول الله تعالى ذكره"كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت مَا حَوله": خَمدتْ وانطفأتْ، وليس ذلك بموجود في القرآن. فما دلالتك على أنّ ذلك معناه؟
قيل: قد قلنا إنّ من شأن العرب الإيجاز والاختصار، إذا كان فيما نطقت به الدلالة الكافية على ما حذفتْ وتركتْ، كما قال أبو ذؤيب الهذلي:
عَصَيْتُ إليهَا الْقَلْبَ، إِنِّي لأمرِهَا ... سَمِيعٌ، فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلابها!
يعني بذلك: فما أدري أرشدٌ طِلابُها أم غَيٌّ، فحذف ذكر"أم غيٌّ"، إذ كان فيما نطق به الدلالة عليها، وكما قال ذو الرمة في نعت حمير:
فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ، أو حِينَ، نصَّبتْ ... لَهُ مِن خَذَا آذَانِهَا وَهْو جَانح
يعني: أو حين أقبل الليل، في نظائر لذلك كثيرة، كرهنا إطالة الكتاب بذكرها. فكذلك قوله:"كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءتْ ما حوله"، لمَّا كان فيه وفيما بعدَه من قوله:"ذهب الله بنورهم"
وتركهم في ظلمات لا يبصرون"دلالةٌ على المتروك كافيةٌ من ذكره - اختصرَ الكلامَ طلبَ الإيجاز."
وكذلك حذفُ ما حذفَ واختصارُ ما اختصرَ من الخبر عن مَثل المنافقين بَعدَه، نظير ما اختصرَ من الخبر عن مَثَل المستوقد النارَ. لأن معنى الكلام: فكذلك المنافقون ذَهبَ الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون - بعد الضياء الذي كانوا فيه في الدنيا بما كانوا يظهرون بألسنتهم من الإقرار بالإسلام وهم لغيره مستبطنون - كما ذهب ضَوء نار هذا المستوقد، بانطفاء ناره وخمودها، فبقي في ظلمة لا يُبصر.
و"الهاء والميم"في قوله"ذهب الله بنورهم"، عائدة على"الهاء والميم"في قوله"مَثَلهم".
القول في تأويل قول الله: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) }