التاسعة: إنما يكون الأجر للحاكم المخطئ إذا كان عالماً بالاجتهاد والسنن والقياس ، وقضاء من مضى ؛ لأن اجتهاده عبادة ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط ، فأما من لم يكن محلاً للاجتهاد فهو متكلف لا يعذر بالخطأ في الحكم ، بل يخاف عليه أعظم الوزر.
يدل على ذلك حديثه الآخر ؛ رواه أبو داود:"القضاة ثلاثة"الحديث.
قال ابن المنذر: إنما يؤجر على اجتهاده في طلب الصواب لا على الخطأ ، مما يؤيد هذا قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} الآية.
قال الحسن: أثنى على سليمان ولم يذم داود.
العاشرة: ذكر أبو التمام المالكي أن مذهب مالك أن الحق في واحد من أقاويل المجتهدين ، وليس ذلك في أقاويل المختلفين ، وبه قال أكثر الفقهاء.
قال: وحكى ابن القاسم أنه سأل مالكاً عن اختلاف الصحابة ، فقال: مخطئ ومصيب ، وليس الحق في جميع أقاويلهم.
وهذا القول قيل: هو المشهور عن مالك وإليه ذهب محمد بن الحسين.
واحتج من قال هذا بحديث عبد الله بن عمرو ؛ قالوا: وهو نص على أن في المجتهدين وفي الحاكمين مخطئاً ومصيباً ؛ قالوا: والقول بأن كل مجتهد مصيب يؤدّي إلى كون الشيء حلالاً حراماً ، وواجباً ندباً.
واحتج أهل المقالة الأولى بحديث ابن عمر.
قال:"نادى فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم انصرف من الأحزاب"ألا لا يصلينّ أحدٌ العصر إلا في بني قُرَيظة"فتخوّف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قُرَيظة ، وقال الآخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت ، قال: فما عنف واحداً من الفريقين ؛ قالوا: فلو كان أحد الفريقين مخطئاً لعيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم."
ويمكن أن يقال: لعله إنما سكت عن تعيين المخطئين لأنه غير آثم بل مأجور ، فاستغنى عن تعيينه.
والله أعلم.
ومسألة الاجتهاد طويلة متشعبة ، وهذه النبذة التي ذكرناها كافية في معنى الآية ، والله الموفق للهداية.