الحادية عشرة: ويتعلق بالآية فصل آخر: وهو رجوع الحاكم بعد قضائه من اجتهاده إلى اجتهاد آخر أرجح من الأوّل ؛ فإن داود عليه السلام فعل ذلك.
وقد اختلف في ذلك علماؤنا رحمهم الله تعالى ؛ فقال عبد الملك ومُطَرِّف في"الواضحة": ذلك له ما دام في ولايته ؛ فأما إن كانت ولاية أخرى فليس له ذلك ، وهو بمنزلة غيره من القضاة.
وهذا هو ظاهر قول مالك رحمه الله في"المدونة".
وقال سحنون في رجوعه من اجتهاد فيه قول إلى غيره مما رآه أصوب ليس له ذلك ؛ وقاله ابن عبد الحكم.
قالا: ويستأنف الحكم بما قوي عنده.
قال سحنون: إلا أن يكون نسي الأقوى عنده في ذلك الوقت ، أو وهم فحكم بغيره فله نقضه ؛ وأما إن حكم بحكم هو الأقوى عنده في ذلك الوقت ثم قوي عنده غيره بعد ذلك فلا سبيل إلى نقض الأوّل ؛ قاله سحنون في كتاب ابنه.
وقال أشهب في كتاب ابن المواز: إن كان رجوعه إلى الأصوب في مال فله نقض الأوّل ، وإن كان في طلاق أو نكاح أو عتق فليس له نقضه.
قلت: رجوع القاضي عما حكم به إذا تبين له أن الحق في غيره ما دام في ولايته أولى.
وهكذا في رسالة عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما ؛ رواها الدارقطني ، وقد ذكرناها في"الأعراف"ولم يفصل ؛ وهي الحجة لظاهر قول مالك.
ولم يختلف العلماء أن القاضي إذا قضى تجوّزا وبخلاف أهل العلم فهو مردود ، وإن كان على وجه الاجتهاد ؛ فأما أن يتعقب قاضٍ حكم قاضٍ آخر فلا يجوز ذلك له ؛ لأن فيه مضرة عظمى من جهة نقض الأحكام ، وتبديل الحلال بالحرام ، وعدم ضبط قوانين الإسلام ، ولم يتعرض أحد من العلماء لنقض ما رواه الآخر ، وإنما كان يحكم بما ظهر له.
الثانية عشرة: قال بعض الناس: إن داود عليه السلام لم يكن أنفذ الحكم وظهر له ما قال غيره.
وقال آخرون: لم يكن حكماً وإنما كانت فتيا.