وجوز أن يكون هذا كناية عن حفظه تعالى إياه وعدم إضاعته ، وقد قال عليه السلام يوم إلقائه في النار وقول جبريل عليه السلام له سل ربك: علمه بحالي يغني عن سؤالي وهو خلاف الظاهر {إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ} ظرف ل {آتينا} [الأنبياء: 51] على أنه وقت متسع وقع فيه الإيتاء وما يترتب عليه من أقواله وأفعاله ، وجوز أن يكون ظرفاً لرشد أو لعالمين ، وأن يكون بدلاً من موضع {مِن قَبْلُ} [الأنبياء: 51] وأن ينتصب بإضمار أعني أو اذكر ، وبدأ بذكر الأب لأنه كان الأهم عنده عليه السلام في النصيحة والانقاذ من الضلال.
والظاهر أنه عليه السلام قال له ولقومه مجتمعين: {مَا هذه التماثيل التي أَنتُمْ لَهَا عاكفون} أراد عليه السلام ما هذه الأصنام إلا إنه عبر عنها بالتماثيل تحقيراً لشأنها فإن التمثال الصورة المصنوعة مشبهة بمخلوق من مخلوقات الله تعالى من مثلت الشيء بالشيء إذا شبهته به ، وكانت على ما قيل صور الرجال يعتقدون فيهم وقد انقرضوا ، وقيل كانت صور الكواكب صنعوها حسبما تخيلوا ، وفي الإشارة إليها بما يشار به القريب إشارة إلى التحقير أيضاً ، والسؤال عنها بما التي يطلب بها بيان الحقيقة أو شرح الاسم من باب تجاهل العارف كأنه لا يعرف أنها ماذا وإلا فهو عليه السلام محيط بأن حقيقتها حجر أو نحوه ، والعكوف الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم له ، وقيل اللزوم والاستمرار على الشيء لغرض من الأغراض وهو على التفسيرين دون العبادة ففي اختياره عليها إيماء إلى تفظيع شأن العبادة غاية التفظيع ، واللام في {لَهَا} للبيان فهي متعلقة بمحذوف كما في قوله تعالى: