وَقَالَ: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا - فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا - وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا - فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا - فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا - عُذْرًا أَوْ نُذْرًا} [سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ: 1 - 6] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا - وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا - وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا - فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا - فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} [سُورَةُ النَّازِعَاتِ: 1 - 5] .
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى ذَلِكَ وَسِرَّ الْإِقْسَامِ بِهِ فِي كِتَابِ (التِّبْيَانِ فِي أَقْسَامِ الْقُرْآنِ) .
وَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَجَمِيعُ تِلْكَ الْمُحَبَّاتِ وَالْمُحَرِّكَاتِ وَالْإِرَادَاتِ وَالْأَفْعَالِ: هِيَ عِبَادَةٌ مِنْهُمْ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، وَجَمِيعُ الْحَرَكَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ وَالْقَسْرِيَّةِ تَابِعَةٌ لَهَا، فَلَوْلَا الْحُبُّ مَا دَارَتِ الْأَفْلَاكُ، وَلَا تَحَرَّكَتِ الْكَوَاكِبُ النَّيِّرَاتُ، وَلَا هَبَّتِ الرِّيَاحُ الْمُسَخَّرَاتُ، وَلَا مَرَّتِ السُّحُبُ الْحَامِلَاتُ، وَلَا تَحَرَّكَتِ الْأَجِنَّةُ فِي بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ، وَلَا انْصَدَعَ عَنِ الْحَبِّ أَنْوَاعُ النَّبَاتِ، وَلَا اضْطَرَبَتْ أَمْوَاجُ الزَّاخِرَاتِ، وَلَا تَحَرَّكَتِ الْمُدَبِّرَاتُ وَالْمُقْسِّمَاتُ، وَلَا سَبَّحَتْ بِحَمْدِ فَاطِرِهَا الْأَرَضُونَ وَالسَّمَاوَاتُ، وَمَا فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَسُبْحَانَ مَنْ: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: 44] .
[فَصْلٌ: الْحُبُّ لِلَّهِ وَحْدَهُ]
فَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَكُلُّ حَيٍّ لَهُ إِرَادَةٌ وَمَحَبَّةٌ وَعَمَلٌ بِحَسَبِهِ، وَكُلُّ مُتَحَرِّكٍ فَأَصْلُ حَرَكَتِهِ الْمَحَبَّةُ وَالْإِرَادَةُ، وَلَا صَلَاحَ لِلْمَوْجُودَاتِ إِلَّا بِأَنْ تَكُونَ حَرَكَاتُهَا وَمَحَبَّتُهَا لِفَاطِرِهَا وَبَارِئِهَا وَحْدَهُ، كَمَا لَا وُجُودَ لَهَا إِلَّا بِإِبْدَاعِهِ وَحْدَهُ.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: 22] .